قال : إني لم أقل : إنه لا ينصح أحدا إلا رجع عن الصدق ، ولكن أخبرتك بما أخاف عليك إن لم تصدق اللّه عز وجل .
قلت : فمتى يصحّ لي أن أنصح بغير زوال ؟ .
قال : إذا عرفت لنفسك أن اللّه عز وجل قد منّ عليك بالقوة ، وصار شأن المخلوقين عندك صغيرا ، وكان الغالب عليك نفى خطرات حمدهم وذمهم والطمع لما في أيديهم ، وسخت نفسك بعيبهم لك فيما يحمدك اللّه عليه ، من غير محبّة عصيان اللّه جل وعز فيك ، فغلب على قلبك اليقين بالمقدور ، فزال طمعهم عن قلبك ، فعزمت على النصح لهم ، بعد معرفة منك بما يصلحهم من كتاب ربّك عزّ وجلّ وسنّة نبيك صلّى اللّه عليه وسلم ، فانصحهم واحذر أن ينتشر عليك طبعك .
فكلّ خاطر يدعو إلى كراهة مذمّة أو حب محمدة أو طمع في دنيا فاردده عنك ، وإن خيّل إليك أنك تجترّهم بذلك ، فإن ذلك خدعة : أن تطلب نجاتهم بهلاكك وأنت ترى أنك ناج .
فإذا قويت بهذه القوة ، وتفقدت هذه الخطرات فلم تقبلها ، ولم تغضب أن يستخف بشئ من حقّك ، أو يردّوا عليك شيئا من قولك ، وترجع إلى اللّه عزّ وجل في ذلك ، وترضى بما قدر لك ، وتعلم أن فيما تطالب من حق اللّه عز وجلّ من الحمد والثناء عوضا من حمدهم ، وزوال ذمهم ، والطمع لما في أيديهم ، وأنهم مع ذلك لم يقدروا أن يوصلوا إليك ما لم يقدّر لك ، ولا يحمدوك بما لا يلقى اللّه عز وجل لك في قلوبهم ، قانع بعلم اللّه عز وجل وحده وبحمده ، غير مكترث لذمّهم فيما يحمده اللّه عز وجل ، غير طالب منهم ثوابا ولا إكراما ، قانع بما تأمل من اللّه عز وجل من الثواب في الدنيا
الرعاية لحقوق الله — صفحة 666
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٦٦٦