باب في أول ما يجب على العبد معرفته والفكر فيه
قلت : فما أول ما تأمرني أن أبتدئ به ؟
قال : أن تعلم أنك عبد مربوب ، لا نجاة لك إلا بتقوى سيدك جل وعز ومولاك ، ولا هلكة عليك بعدها ؛ فتذكر وتفكّر لأيّ شئ خلقت ؟ ولم وضعت في هذه الدار الفانية ؟ فتعلم أنك لم تخلق عبثا ، ولم تترك سدى ، وإنما خلقت ووضعت في هذه الدار للبلوى والاختبار ، لتطيع اللّه عز وجل ، أو تعصي ، فتنقل من هذه الدار إلى عذاب الأبد أو نعيم الأبد .
فإذا علمت أنك عبد مربوب ، ثم عقلت لم خلقت ؟ ولماذا عرّضت ؟
وإلى أيّ شئ لا محالة مصيرك ؛ إلى عذاب الأبد ، أو الثواب ونعيم الأبد ؟
كان ذلك أول ما يجب عليك أن تبدأ به ؛ لأن أول ما يلزمك في صلاح نفسك الذي لا صلاح لها في غيره - وهو أول الرعاية - أن تعلم أنها مربوبة متعبّدة .
فإذا علمت ذلك علمت أنه لا نجاة للمربوب المتعبّد إلا بطاعة ربه ومولاه ، وأن الدليل على طاعة ربه ومولاه عز وجل العلم ثم العمل بأمره ونهيه ، في مواضعه وعلله وأسبابه ، ولن يجد ذلك إلّا في كتاب ربه وسنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لأن الطاعة سبيل النجاة ، والعلم هو الدليل على السبيل . فأصل الطاعة : الورع ، وأصل الورع : التقوى ، وأصل التقوى : محاسبة النفس ، وأصل محاسبة