باب الغرّة بطول ستر اللّه تعالى وإمهاله للعبد
ومنهم فرقة اغترّت بطول ستر اللّه عزّ وجلّ عليها وإمهاله لها ، فلما دام لها الستر فلم يظهر للعامة منها إلا خير ، وأثنت عليها وعظمتها ؛ اغترت بذلك وظنت أن ذلك لم يكن إلا ولها عند اللّه عز وجل منزلة عظيمة ، وأنه محبّ لها ، وهي مع ذلك كثير تخليطها ، كثيرة التصنّع للعباد ، ولا تعرى من العجب بعملها والكبر على من دونها ، قليلة الفطنة لكثير ذنوبها ، قليلة الوجل والإشفاق ، لما رأت من الستر وحب الإخوان وثناء العوام ، فاغترت وظنت أنها ناجية وأن اللّه عز وجل عنها راض ، وأنه لو كان سخط عليها بما أسلفت من الذنوب لما ستر عليها ، ولا حبّبها إلى كثير من الناس ، ولا نشر لها الثناء ، فهي مغترّة بذلك غير متفقدة لأنفسها ، ولا تكاد تظن بها أكثر ذنوبها ، قليل خوفها وحذرها .
قلت : فبم ينفى أحدهم ذلك ؟
قال : بمعرفته بنفسه وأن الستر عليه حجة من اللّه عز وجل عليه ، ليعلمه أنه لم يعجّل عليه ، ولم يهتك ستره ، ليستحى من ربه عز وجل ، الذي ستر قبيحة ، وأظهر له من الجميل ما لم يعلمه ؛ فالستر عليه حجة من اللّه عز وجل ، ليس بغرّة ، وثناء الناس إنما كان لستر اللّه عز وجل عليه ، ولو أظهر اللّه عز وجل لهم ما يعلم منه لأبغضوه ومقتوه ، وهو لا يحب أن يعلموا منه ما يعلم اللّه عزّ وجل منه من ذنوبه فيمقتوه ، واللّه عز وجل أولى أن يخافه ؛ أن يكون قد مقته بما سلف من ذنوبه ، أو قد مقته ببعض ما هو عليه مقيم .