قلت : عن الغرّة باللّه عز وجل أسألك ، وما الذي يغترّ به العباد ؟
قال : أما ما اغترّ به الكافرون عن اللّه عز وجل ، فهو ما رأوا من فعل اللّه عز وجل بهم ، من إكرامه لهم بالدنيا ورفعتها وسعتها ، فظنوا بذلك أن ذلك لم يكن من اللّه عز وجل إلا لمنزلتهم عنده ، وأنهم أحق بالخير من غيرهم .
ثم هم بعد ذلك على وجهين : فرقة منهم شكاك في الآخرة يقولون في أنفسهم وبألسنتهم : إن يكن للّه عز وجل معاد فنحن أحق به من غيرنا ، ولنا فيه النصيب الأوفر ، اغترارا بما ظهر لهم من خير الدنيا وكرامتها ، ألا تسمع ما حكى اللّه عز وجل عن الرجلين اللذين تحاورا ؟ فقال الكافر منهما للمؤمن المحاور له :
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
« 1 » .
أي : لا أوقن بأن للّه عز وجل بعثا وثوابا وعقابا ، فإن كان فإن لي عنده خيرا مما أعطاني في الدنيا ، غرّة باللّه عز وجل ، وظنا أن اللّه عز وجل لم يكرمه في الدنيا إلا وهو كريم عليه ، فإن كان للّه عز وجل بعث ودار فيها ثواب وعقاب ، فسيجيره من العقاب ، ويكرمه في الآخرة كما أجاره من الفقر والضيق في الدنيا ، فحاور المؤمن الكافر بذلك .
وفي التفسير لما كان بينهما قصة طويلة - وهما فيما يروى في التفسير اللذان قال المؤمن منهما في الآخرة :
إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ . يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ
« 2 » ؟ ! - إلا أن المحاورة كانت بينهما في جملة أمرهما : أن الكافر بنى قصرا بألف دينار ، واشترى بستانا بألف دينار ، وخدما بألف دينار ، وتزوج امرأة على ألف دينار ، وفي ذلك كله يعظه المؤمن ، ويقول له : اشتريت قصرا
هامش
( 1 ) الكهف : 36 .
( 2 ) الصافات : 51 ، 52 .