باب التحذير من هوى النفس
قلت : قد وصفت لي الرياء وأسبابه فمن أين أتيت ؟
قال : من نفسك من قبل هواها .
قلت : وكيف أتيت من قبل نفسي ، ولي عدو يكيدنى ويزيّن لي ، ودنيا تفتنني ؟ .
قال : فإنه لن ينال منك عدوّك ما يريد إلا من قبل هوى نفسك ، ولولا ذلك لكنت قد ازددت بدعاء عدوك قربة إلى ربك ، إذ كان سبب القربة دعاؤه ، لأنه حين دعاك عدوّك فأبيت أن تجيبه ، كنت بامتناعك مطيعا حين عصيت من دعاك إلى ما لا يحبّ ربّك عز وجل وكان اعتصامك منه خوفا من اللّه عز وجل ، ورجاء ثوابه ، فامتنعت ، واستعملت الخوف والرجاء حيث أمرت .
ولو لم تكن تركن نفسك إلى الدنيا لازددت بزينتها قربة ، إذا امتحنت بالدنيا وغرورها ، فلم تركن إلى غرورها ، وأردت الآخرة ورغبت فيها ، وامتنعت أن ترتع في الدنيا أو تميل إليها ، فتحرم الآخرة ، أو تنقص منها ، فأطعت فيما امتحنت به ، فكان سبب ذلك الدنيا ، إذ يقول اللّه عز وجل :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
« 1 » .
يخبرك أنه يريد حسن العمل في الزينة ، وإنما خلق زينة الأرض لينظر من
هامش
( 1 ) الكهف : 7 .