تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرعاية لحقوق الله — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
احتمى عاش ونهك ، فقد آخى الأطباء ، وحارف الصيادلة « 1 » ، وتجشّم شرب الأدوية المرّة ، وجانب الأطعمة الطيّبة ، فبدنه يزداد نهوكا لقلة طعمه ، وسقمه كل يوم يقلّ ، وصحته تزيد ، وإنما اختار الاحتماء - وإن أنهك بدنه - على أطايب اللذات خوفا أن يرتع فيهلك ، ورجاء أن يؤدّيه الاحتماء إلى العافية ، فينال اللذات بجسم صحيح ، وعافية لازمة ، فتطيب حياته بغير سقم ، ويصفو عيشه فلا يكدر . فكذلك المؤمن المريد التقى : احتمى عن كل مهلك من الدنيا في آخرته ، فتبين عليه النحول ، والتقشف ، والوحشة ، وزوال الأنس بالعباد ، وظهور الأحزان ، وزوال الأفراح ، فاختار ذلك كله كراهية الرتوع في لذّاته ، فيحلّ به غضب ربه عز وجل ، ويجب عليه عذابه ، ورجاء أن يرضى اللّه عز وجل بذلك عنه ، فينجو من عذابه ، ويحل في جواره ، فيصيب اللذات في الجنان ، بغير سقم ولا تنغيص ، ولا تبعة في ذلك يخاف فيه الهلكة ، مع البقاء الدائم فيه أبدا ، ورضوان ربه الأعلى . فالزم الحمية ، وتذكر سوء العاقبة في الآخرة ، وأمّل طيب عيش الآخرة ، واستعن بالذي يحتمى له لطلب مرضاته ، فإنه اللّه عز وجل ، الذي لم يزل للمريدين عونا ، وعليهم متحنّنا ، ولو شاء لأغناك في أول بدايتك عن الحمية ، ولكنه أراد أن يعلم منك صدق الطلب لرضائه ؛ بالمجاهدة والمكابدة ، حتى إذا صدقت في الطلب ، وتجشمت مكابدة نفسك ومجاهدتها ؛ أقبل عليك بالمعونة ، فسهل عليك ترك ما تهوى ، ونعّمك بطاعته ؛ لأنه الكريم بغير تكلف ، والجواد الذي لا يعتريه البخل ، وإنما أحب من عبده المريد أن يصدق
هامش
( 1 ) حارف الصيادلة : أي عاملهم ، وصار معاملا دائما لهم .