وكذلك الدنيا : أمروا بأخذ القوام « 1 » منها ، ونهوا عن طلب الفضل ؛ لا أنه محرم ، ولكنه لا يسلم في طلب الدنيا إلا الأبطال الزاهدون العالمون باللّه عزّ وجلّ وأيّامه .
وقد روى عن الحسن : أنه سئل عن رجل طلب القوت ثم أمسك ، وآخر طلب فوق قوته ثم تصدّق به ، فقال : القاعد أفضل . مما يعرفون من قلّة سلامته في طلب الدنيا ، وأن من الزهد تركها ، إلا للقربة للّه عزّ وجلّ ! فخشوا أن يزدادوا بعدا من اللّه عزّ وجلّ ، إذا طلبوها ، لفتنتها وشغل القلب بها .
وقال أبو الدرداء : ما يسرني أني قمت على درج مسجد دمشق أصيب كل يوم خمسين دينارا أتصدق بها ، أما إني لا أحرّم البيع والشراء ، ولكن أريد أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه عزّ وجلّ « 2 » . وفي حديث آخر : لئلا تشغلني عن الذكر . وكلا المعنيين واحد .
وقال : كنت تاجرا قبل أن يبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما أسلمت أردت العبادة والتجارة ، فلم يجتمعا لي فتركت التجارة « 3 » .
فأخبر أنه لا يمكنه التجارة إلا أن يلهو عن ذكر اللّه عزّ وجلّ ، ويشتغل عنه ، ولم يقل : لا يعجبني أن أتجر فأصيب كلّ يوم خمسين دينارا وأتصدق بها ، ولا يلهيني ذلك عن ذكر اللّه عزّ وجلّ ولا يشغلني .
وقد أجمع المسلمون على أن من ولّى الخلافة أو الإمارة أو القضاء أو قام
هامش
( 1 ) القوام بفتح القاف : ما يعاش به ، وبكسر القاف : نظام الأمر ، وعماده ، وملاكه . والمراد هنا أنهم أمروا أن يأخذوا منها ما يقيم أودهم ، ويتعيشون به .
( 2 ) أخرج نحو ذلك عن أبي الدرداء : أبو نعيم في حلية الأولياء 1 / 209 .
( 3 ) في الموضع السابق نفسه .