تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
يحيى بن زكريا بعث تلاميذه إلى المسيح وقال لهم : قولوا له أنت أيل أم نتوقع غيرك ؟ فقال المسيح : الحق اليقين أقول لكم أنه لم تقم النساء عن أفضل من يحيى بن زكريا ، وإن التوراة وكتب الأنبياء تتلو بعضها بعضا بالنبوة والوحي حتى جاء يحيى ، وأما الآن فان شئتم فاقبلوا فإن أيل مزمع أن يأتي ، فمن كانت له أذنان سامعتان فليستمع » وهذه بشارة بمجيء اللّه سبحانه الذي هو « أيل » بالعبرانية ، ومجيئه هو مجيء رسوله وكتابه ودينه ، كما في التوراة : « جاء اللّه من طور سيناء » قال بعض عباد الصليب : إنما بشر بالياس النبي ، وهذا لا ينكر من جهل أمة الضلال وعباد خشبة الصليب التي نحتتها أيدي اليهود ؛ فان الياس قد تقدم إرساله على المسيح بدهور متطاولة . ( فصل الوجه الخامس والثلاثون ) قوله في نبوة أرميا : « قبل أن أخلقك قد عظمتك من قبل أن أصورك في البطن ، وأرسلتك وجعلتك نبيا للأجناس كلهم » فهذه بشارة على لسان أرميا لمن بعده ، وهو إما المسيح وإما محمد صلوات اللّه وسلامه عليهما لا يعدوهما إلى غيرهما ، ومحمد أولى بها لأن المسيح إنما كان نبيا لبني إسرائيل ، كما قال تعالى :
وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ
[ آل عمران : 49 ] ، والنصارى تقر بهذا ؛ ولم يدع المسيح أنه رسول إلى جميع أجناس أهل الأرض ، فان الأنبياء من عهد موسى إلى المسيح إنما كانوا يبعثون إلى قومهم ، بل عندهم في الإنجيل ان المسيح قال للحواريين : « لا تسلكوا إلى سبيل الأجناس ، ولكن اختصروا على الغنم الرابضة من نسل إسرائيل » وأما محمد بن عبد اللّه فهو الذي بعثه اللّه إلى جميع أجناس الأرض وطوائف بني آدم ، وهذه البشارة مطابقة لقوله تعالى :
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
[ الأعراف : 158 ] ، ولقوله صلى اللّه عليه وسلم : « بعثت إلى الأسود والأحمر » وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة » وقد اعترف النصارى بهذه البشارة ولم ينكروها ؛ لكن قال بعض زعمائهم إنها بشارة بموسى بن عمران والياس واليسع ، وإنهم سيأتون في آخر الزمان وهذا من أعظم البهت والجرأة على اللّه والافتراء عليه ؛ فإنه لا يأتي من قد مات إلى يوم الميقات المعلوم .
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 102 | ابن قيم الجوزية