فهذه الأمور دلّت ظاهرة * بأنّ الأشياء كلّها مدبّرة
وأنّها حادثة مصنوعة * وكلّها كهيئة مجموعة
فاحتيج للصّانع بالبداهة * فإن هو الرب فلا كراهة
وإن تكن تكوّنت من أسّها * كانت إذن مكوّنات نفسها
فليس إمّا أنّها مكوّنة * إذ لم تكن أو حين صارت كائنة
ويستحيل عند ذي السّداد * يؤثّر المعدوم في الإيجاد
أو يوجد الموجود ثانيا وهل * بالذّات أو بالغير أوّلا حصل
تقرير نتيجة الادلّة المذكورة وتوضيح دلالتها وتتميمها على « الصانع » الّذي نقول به
[ الاستنتاج من الأدلة المذكورة ]
فهذه الأمور دلّت دلالة ظاهرة بأنّ الأشياء كلّها مدبّرة ، وأنّها حادثة لظهور حدوثها ، مصنوعة لظهور اثر الصنع فيها ، وكلّها كهيئة مجموعة ، كأنّها بيت ممهدة بالأسباب .
فاحتيج للصّانع بالبداهة ، إذ الحادث يحتاج إلى المحدث ، والمصنوع إلى الصانع ، والمؤلّف إلى المؤلّف ؛ وحينئذ فلا يخلو الواقع من أحد أمور ثلاثة :
امّا ان يكون محدثها وصانعها الرب - تبارك وتعالى - الذي نقول به ، أم هي أنفسها ؛ أو ما هو مثلها في الحدوث والمصنوعيّة ؛ فإن كان هو الرب تعالى ، فلا كراهة ولا نزاع ؛ وإن تكن هي تكوّنت من أسّها وأساسها بنفسها ولم يكن لها ربّ ، كانت الأشياء إذن هي مكوّنات نفسها ، وإذا كانت هي مكوّنة أنفسها ، فليس يخلو أيضا عن أحد امرين : إمّا أنّها مكوّنة لنفسها حين إذ لم تكن ، أو حين صارت كائنة موجودة ؛ فإن كانت مكوّنة لها وهي معدومة ، فهذا محال كما قلت :
ويستحيل عند ذي السّداد يؤثّر المعدوم في الايجاد ، فيوجد الشيء وهو معدوم ، وان كانت مكوّنة لها وهي موجدة ، فهو أيضا محال ؛ لأنّه تحصيل الحاصل .
ولا فرق في بداهة العقل من حيث الاستحالة بين ان يوجد المعدوم شيئا أو يوجد الموجود ثانيا بعد وجوده ، هب أنّه يمكن الوجود الثاني ، لكنّه يعود الاشكال في الوجود الأوّل ، وأنّه هل كان حصوله الاوّل بالذّات أو كان بالغير أوّلا حصل ، ثمّ أوجد نفسه وهكذا فيتسلسل إلى ما لا نهاية له ؟