بأعلى صوته : أنّ النّاس قبله كانوا لفى ضلال مبين « 1 » ؛ ويقول :
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ .
« 2 » ويقول :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ . . .
« 3 »
فيا سبحان اللّه ! هل كان الدين عند اللّه الإسلام إلّا لكماله ؟ وهل كان لا يقبل غيره إلّا لنقصه ؟ فكيف صار الإسلام بعد ذلك محتاجا في عرفانه إلى الفلسفة ، أو إلى التصوف الّذي يزعمه جهّال المتصوّفة أنّه غيرها ويسمّون أنفسهم « العرفاء » ، وأهل الفلسفة ، « الحكماء » وكثيرا ما يطعنون عليهم ويقدحونهم قدحا فاحشا ، يراءون بذلك أنّهم منهم على طرف النقيض ؛ مع انّه لو لاها لم يكن لهم هذا المدّ الطويل ، وهذا البسط العريض ، ولم يكن يعبأ بهم إلّا من لا يعرف السّود من البيض ؛ بل لو تجرّد عرفانهم عن الفلسفة لم يبق لهم إلّا بدعا مزخرفة .
[ إحداث الصوفية قولا بديعا تبعا للفلاسفة ، بأنّ ذاته تعالى وجود مطلق ]
ثمّ إنّ الفلسفة لم تهدهم إلى صحيح المعرفة ، لأنّها في نفسها وهميّة ، ليست لها حقيقة واقعيّة ؛ بل انّما هداهم إلى استحالة تلك الخرافات فقط ، ولكنّهم « فرّوا من المطر إلى المطر أو إلى الميزاب » ، وانّما طردوا تلك الأقوال إذ أحدثوا في ذاته تعالى تبعا للفلاسفة قولا بديعا ، وهو أنّهم قالوا : بأنّه ؛ اى ذاته تعالى الوجود المطلق ، وغيره من الموجودات بأسرها تنزّلاته وأطواره ، وحقيقتها أيضا هو الوجود المحدود بحدود التعينات الاعتباريّة مع بقائه على بساطته ، فهو عينها وغيرها اعتبارا ، وليس في الدار غيره ديّار .
وعلى هذا ، فما به تعالى يليق شيء ممّا اخترقوا أوّلا من القول بالرؤية العينيّة أو الحلول أو الاتّحاد ، بل يستحيل كلّ ذلك . امّا الرؤية ، فلأنّ الوجود المطلق مجرّد ، والمجرّد غير قابل للرؤية ؛ وامّا الحلول والاتّحاد ، فلأنّهما يستلزمان الاثنينيّة ، والوجود في الواجب والممكن واحد بالحقيقة .
قال الشبسترى :
حلول واتّحاد اينجا محال است * كه در وحدت دوئى عين ضلال است
هامش
( 1 ) . إشارة إلى آية 164 سورة آل عمران 3 وآية 2 سورة جمعة 62 .
( 2 ) . آل عمران 3 : 85 .
( 3 ) . آل عمران 3 : 19 .