قد حسرت نوافذ الأبصار * عن كنهه كثاقب الأفكار
والراسخون رسخوا في حجزهم * عن كنهه فاعترفوا بعجزهم
ولم تحط بكنهه الملائكة * مع قربهم وما بهم من مدركة
بل كنهه التفريق عند البررة * ما بينه وبين ما قد فطره
فالاكتناه كاف أن تعيّنه * شيئا معيّنا وإن لم يكتنه
كأن تراه جسما أو وجودا * وإن تقل لا يشبه الموجود
أمّا الصفات فهي أيضا مبهمة * كنها كحكمة وعلم عظمة
نعلم أنّه حكيم مجملا * في الفعل ، امّا كنه حكمة ، فلا
أوجه ) : فليس من هذه الوجوه شيء يمكن المخلوق ان يعرف من الخالق حقّ معرفته ، غير أنّه موجود فقط ، فإذا قلنا كيف وما هو ؟ فممتنع علم كنهه وكمال المعرفة به » « 1 » .
قد حسرت نوافذ الأبصار عن كنهه كثاقب الأفكار ، قال الرضا ( ع ) : « الّذي قد حسرت دون كنهه نوافذ الأبصار ، واقمع وجوده جوائل الأوهام » « 2 » .
والراسخون ، إنّما رسخوا في حجزهم عن كنهه ، فاعترفوا بعجزهم ؛ كما مرّ في كلام أمير المؤمنين ( ع ) في أنّه لا يوصف إلّا بما وصف نفسه ، قوله ( ع ) : « وسمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه ( رسوخا ) » « 3 » .
ولم تحط بكنهه الملائكة مع قربهم وما بهم من مدركة قويّة ، قال أمير المؤمنين ( ع ) : « لأنّه اجلّ من أن تحدّه الباب البشر أو تحيط به الملائكة على قربهم من ملكوت عزّته » « 4 » . بل كنهه التفريق عند العترة البررة ، ما بينه وبين ما قد فطره ، بان يعتقد أنّه مباين لخلقه ذاتا ؛ كما قال الرضا ( ع ) : « وذاته حقيقته ، وكنهه ، تفريق بينه وبين خلقه » « 5 » .
ومن تأمّل كلماتهم في الكنه ، خصوصا في اطلاقه على مجرّد التفريق ، وخصوصا ممّا تقدّم في ذاته ، من أنّه لا يدرك ولا يوصف ولا يعرف ، علم أنّ مرادهم بالكنه ، اعمّ من تمام الحقيقة الّذي اصطلح عليه القوم ، بل محض تعيين حقيقته وأنّه أيّ شيء يعدّ من العلم بكنهه ، وان لم يعلم تلك الحقيقة تمامها ، ولم تفسر
هامش
( 1 ) . المصدر 3 : 148 / 1 .
( 2 ) . المصدر 4 : 284 / 17 .
( 3 ) . المصدر 3 : 257 / 1 .
( 4 ) . المصدر 4 : 275 / 16 .
( 5 ) . المصدر 4 : 228 / 3 .