منهم ما أدخلوه بحسن الظنّ بهم من غير انتقاد ؛ سيّما أنّهم اختلقوا في جميع المآرب ، حتّى الشؤون والمناصب . فاختلطوا بهم في المحافل والجماعات والمدارسة والتدريس ، والتأليف والتصنيف في الفقه والحديث والتفسير وغيرها ، والقضاء والإفتاء ورئاسة العامّة ، والوعظ والتذكير والمناظرة لأهل الخلاف والشّقاق ؛ بحيث لا يبقى مجال توهّم الافتراق . خصوصا مع ملازمتهم للزهد في الحلال والتّقوى الظاهريّة التي تشهد بحسن الحال .
فلمّا تمكّن أهل الفلسفة في نفوس الشّيعة ووقعوا موقع القبول ، وحسبت الشّيعة أنّهم موافقوهم في الفروع والأصول ، دلّسوا على الضعفاء ( ترويجا لأذواقهم وتحكيما لعقائدهم ، وصدّا لهم عن مراجعة أحاديث أهل البيت ( عليهم السّلام ) ؛ لئلّا يظهر لهم خلاف ما أسّسوا أو شكّ فيما دسّسوا ) بأمور ، أوجبت مزيد الاعتماد عليهم ، ومسارعة طلبة العلم إليهم . فاستبق إليهم قوم لم يستحكموا العلم ولم يستضيئوا بنور الهدى ، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق . فدرسوا عندهم وتعلّموا منهم ، حتّى اشرب أذواقهم تلك الأذواق ، ورسخت في قلوبهم رسوخ الماء في الأجسام الرّقاق . فحسبوا أنّها إفاضة واشراق ، فنشئوا عليها نشأ الشجر في الطين ؛ فزعموا أنّها هي الدّين .
ثمّ برزوا في الفنّ فأخذوا في التصنيف ، فنمى اسمهم وسما ذكرهم ، حتّى عرفوا برجال العلم والتّأليف . ثمّ خاضوا في التّدقيق بنقل الأقوال وضروب الاستدلال ، حتّى وصفوا بأهل التحقيق . فالبستهم الرّئاسة لباسها ، وأحكمت لهم أساسها ، فوطأت الرّجال أعقابهم ، وزاحم النّاس أبوابهم ، فاتّقى أهل البصيرة خلافهم ، إذ صاروا كبراء القوم وأشرافهم ؛ فإنّ مخالفة الأكابر من أكبر الذّنوب عند أهل الظاهر .
كذلك دسّت الأذواق الفلسفيّة والعرفانيّة في معارف الشيعة الإمامية ؛ فجرت وسرت في عامّهم وخاصّهم ، إلّا القليل ممّن عصمه اللّه ، إلى أن آل الأمر في هذا الزمان إلى أنّ الإسلام والإيمان لا يعرفان إلّا بالفلسفة والعرفان . وهيهات !
إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
« 1 » ، و
إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
« 2 » ،
وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً
« 3 » ، ويقولون ما لا يعلمون .
هامش
( 1 ) . البقرة 2 : 78 .
( 2 ) . الأنعام 6 : 116 .
( 3 ) . المجادلة 58 : 2 .