فسنح لي أن اجعل الخلاصة منظومة ؛ فإنّ النّظم ممّا تتشوّق إليه النفوس ، ويسهل حفظه ويشيع ذكره ويروّج نشره . وعسى أن يصير بعد ذلك كتابا درسيّا يتدارس به الإماميّة ، فيتعلّمون مذهبهم بالتدريس قبل أن يغلب عليهم أهل التلبيس ، أو يلبس عليهم دينهم مطالعة كتب أهل التدليس . ثمّ شرحته بنفسي أيضا قبل أن يتصرّف فيه أهل التصنيف أو يحرّفه أهل التحريف .
فيا أيّها الشّيعي الخالص في التشيّع والاتّباع للأئمّة ( عليهم السّلام ) المخلص لهم الولاية ، والدائن للّه بما دانوا ، والصائن نفسه عمّا صانوا ، والمقرّ لما أقرّوا ، والمنكر لما أنكروا ! أليك هذه المنظومة بشرحها في معارفهم ، صافية عن أوهام مخالفهم . فإن كنت تطلب الحق والحقيقة من عين صافية ، وبحار زاخرة شافية ، فهاك ما تهواه واكتف به عمّا سواه . ولكن لا يسمعها إلّا أذن واعية ، ولا يعيها إلّا قلوب عن حبّ غير من اصطفاه اللّه خالية . وإن كنت تطلب الأوهام والظّنون من عين حمئة تنفجر بحمإ مسنون ، أو عين آنية لا تسمن ولا تغني من جوع ، فعليك بأهل الأهواء والمستبدّين بالآراء من هؤلاء ، المنوّه باسمهم في الكبراء .
هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
« 1 » ، فاختر ايّما تحبّ وتشاء ، فإنّك في الاختيار مختار .
قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ . . .
« 2 » .
[ اختلاط معارف الشيعة بالأذواق الفلسفية والعرفانية ]
ثمّ أعلم ، أنّ « أهل الفلسفة والعرفان » ، ( ممّن يتظاهر بالتشيع ويسمّى عند عامّة النّاس بالشّيعة ) ، ادخلوا أذواقهم الفلسفيّة والعرفانيّة في معارف الشّيعة ، وخلطوها بها خلطا فلا يعرفها إلّا الخبير ، ولا يميّزها إلّا البصير . فاتّخذتها الشيعة منهم ، وصيّرتها من جملة عقائدهم ، جهلا منهم بحقيقة الحال ، وظنّا منهم بوحدة المقال .
[ سبب هذا الاختلاط والامتزاج ]
وذلك لأنّ هؤلاء الطائفة من بدء حدوثهم إلى الغاية ، لم يكونوا متميّزين عن الشّيعة كسائر الفرق من الزّيدية والفطحيّة والواقفيّة وغيرهم حتّى يحترز منهم ؛ بل كانوا مختلطين بهم ، متوافقين لهم في الفروع ومتظاهرين معهم بالرّسوم . فحسن ظنّ الشّيعة بهم واكتفوا بذلك منهم ، زعما أنّ التشيّع بمحض ملازمة الفروع ، ومراقبة الرسوم . فبذلك خلطوا أنفسهم الشيعة ، خلطا لا يخطر ببال أهل الظّاهر غير الاتّحاد .
إذ هم لا يعرفون أنّ الوحدة في الفروع والرسوم ، غير الوحدة في « الاعتقاد » . فأخذوا
هامش
( 1 ) . الفرقان 25 : 53 .
( 2 ) . الكهف 18 : 29 .