وتلك الأمور هذه : الأوّل : دعوى أنّ حقيقة المعارف الإسلاميّة لا تنال إلّا بالفلسفة والعرفان ، وكذلك معنى كثير من الأحاديث لا يعرف إلّا بهما . وهذه دعوى يدّعيها كلّ فريق ، والجميع كما قيل :
وكلّ يدّعي وصلا بليلى * وليلى لا تقرّ بذا وذاكا
وذلك لأنّهم يزعمون كما هم يزعمون ، أنّهم على شيء ،
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
« 1 » . وهيهات ! ليست الحقيقة إلّا في « بيوت أهل الوحي » ، وليست الحقّ إلّا ما صدر عن أهل تلك البيوت . وما الّذي يدّعونه إلّا
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً . .
« 2 » .
كلّا ! فلا المعرفة التي أسّسوها ونسجوا عليها معرفة اسلاميّة ؛ بل هي فضول وزخارف سمّوها أصولا ومعارف . ولا فهم الحديث متوقّف على تلك المنسوجات ومبنيّ عليها ، كما انّ المعنى الّذي يفسّرون به بعض الأحاديث على مذاقهم ليس بمعناه ؛ بل هو تطبيق من غير انطباق ، وتأويل على الأذواق ، لا تفسير للمعنى المراد من الحاقّ . وإنّما الّذي يهدي إلى المعاني المرادة ، نفس الأحاديث الواردة ، فإنّ بعضها يفسّر بعضا ، ولكنّ الفهم والتفريع من تأييد اللّه .
الثاني : تكبير فنّهم وأكابرهم بشوامخ الأسامي والألقاب ، والمبالغة والاطراء في المدح والوصف العجاب . فمن تكبيرهم الفنّ ، أنّ أهل الفلسفة ، سمّوا فلسفتهم ب « الحكمة » ، ثمّ فسّروها بأنّها : « العلم بحقايق الأشياء على ما هي عليها » ، وزاد قوم عليه « على حسب الطاقة البشريّة » ، وقولهم : « أنّه لولا الحكمة لم يستقم أمر الدّين ، وانّها موهبة إلهيّة يتطوّل بها على من يشاء » ، وغير ذلك ممّا لسنا بصدد استقصائه .
ثمّ اوّلوا ونزّلوا عليها الآيات ، مثل قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ
« 3 » ، وقوله :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
« 4 » ، وكذلك من الأخبار نظائرها .
فمن ذا لا تعجبه الفلسفة بعد سماع ذلك ! ؟ ومن ذا يرغب عن مثل ذلك ؟ فأمّا العامّي ، فيغترّ به من غير نكير ، وامّا القاصر من أهل العلم وطلبته ، فإنّه أيضا يعجبه هذا الثناء ؛
هامش
( 1 ) . الأعراف 7 : 30 .
( 2 ) . النور 24 : 39 .
( 3 ) . لقمان 31 : 12 .
( 4 ) . البقرة 2 : 269 .