حجّة كلّ منكر الرحمن * للنّفي دعوى عدم الوجدان
يعني به الحسّ ودفعه جليّ * إذ عدم القصر عليه منجليّ
فالرّوح والنفس من الأعيان * ليسا بمحسوسين للإنسان
والعلم بالمحسوس أيضا يعتبر * طورا بنفسه وطورا بالأثر
هذا في افحام المنكر ، وامّا ابطال شبهه الّتي يزعمه حججه ، فاعلم : إنّ للمعطّلة حجّتان :
حجّة مشتركة ، يشترك فيها كلّ منكر من النافي المطلق وغيره .
وحجّة تختصّ بالطبيعي المثبت شيئا يستند إليها ؛ فإنّ الطبيعي ، تنحلّ دعواه إلى دعويين : إحداهما ، نفي اللّه تعالى ، وثانيتهما ، اثبات الطبيعة ، فلا بدّ من حجّتين .
بيان حجّة المنكر المطلق وكلّ منكر في جهة النّفي
حجّة كلّ منكر الرحمن ( سواء أثبت شيئا أم لا ) ، للنّفي خاصّة ، دعوى عدم الوجدان ؛ يعني به الحسّ ، اي الوجدان الحسّي لا العقلي والقلبي ، فإنّ المنكرين لا يجاوزون الحسّ ؛ وحاصل دعواهم : « أنّ الصانع لو كان موجودا ، لكان محسوسا بإحدى الحواس ، وحيث لم ندركه بحاسة من حواسّنا ، فليس بموجود » .
[ دعويان على عدم وجود الصانع من المنكرين ]
وهذه الدعوى ، مبنيّة على دعويين : إحداهما : انحصار الموجود العيني فيما تبلغه الحواسّ ، وانكار وجوده ما لم يكن محسوسا ؛ وثانيتهما : دعوى عدم بلوغ الحسّ إليه .
والدعويان كلتاهما مجازفتان .
[ عدم وجدان الصانع بالحواس لا يدلّ على عدم وجوده تعالى ]
فدعوى عدم الوجدان واضح البطلان ، ودفعه جليّ ومبان ؛ إذ عدم القصر عليه ؛ اي عدم كون الموجود مقصورا على المحسوس منجليّ ، لوجود أشياء عينيّة ، غير مدركة بالحواسّ ؛ فالرّوح والنفس من الأعيان الموجودة ، مع أنّهما ليسا بمحسوسين للإنسان ، وكذلك العقل ، وكذلك القوى الفعّالة في الإنسان ؛ ولذلك لا يقصر طريق العلم بالشيء المحسوس مع كونه محسوسا بالحسّ والعيان ؛ إذ قد يكون الشيء غائبا أو ميّتا فلا يناله الحسّ ؛ وإليه أشرت بقولي : والعلم بالمحسوس أيضا يعتبر ، طورا بنفسه من طريق الحسّ إذا كان حاضرا ، وطورا بالأثر إذا كان غائبا ، فليس العلم به لو كان محسوسا بالإحساس به .