تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المرام في علم الكلام — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
بذلك التعريف فهو خطأ ، لما تقدم ، ولأنّ العقلاء يدركون بهداية « 1 » عقولهم المستندة إلى الحس التفرقة بين السواد والبياض ، ولا يتوقفون في الفرق بينهما ، ولا في معرفتهما إلى كون أحدهما قابضا للبصر وكون الآخر مفرقا . فلو حصل مفهومه لم يثبت ذلك إلّا بتدقيق النظر وبعد معرفة السواد والبياض واستقراء أحوالهما ، فيلزم على الأوّل تعريف الشيء بالأخفى ، وعلى الثاني الدور .

المسألة الثانية : في إثبات الألوان « 2 »

ذهب جماعة من قدماء الحكماء ، إلى أنّه لا حقيقة للألوان ، بل البياض إنّما يحصل من مخالطة الهواء بالأجسام الشفافة المتصغّرة جدا . والسواد فإنّما يتخيل « 3 » في غور الجسم وعمقه ؛ لعدم الضوء والإشفاف فيه « 4 » ، فلما لم ينفذ الضوء في عمقه ولا الإشفاف ، تخيل أنّ هناك لونا هو السواد ، وليس كذلك . ومن هؤلاء من جعل الماء سببا للسواد ، وقال : إذا شاهدنا الثياب مبتلة شاهدناها مائلة إلى السواد . وأيضا فلأنّ الماء يخرج الهواء ، وليس إشفاف الماء كإشفاف الهواء حتى ينفذ فيه الضوء إلى السطوح ، فلا جرم تبقى السطوح مظلمة ، وذلك هو السواد . واحتج في البياض : بأنّ زبد الماء أبيض ، ولا سبب لبياضه إلّا مخالطة الهواء لأجزائه الشفافة الصغيرة « 5 » جدا . وكذا الثلج أبيض ؛ لأنّ فيه أجزاء جمدية شفافة
هامش
( 1 ) - كذا في س ، وفي ق وم : « ببداية » . ( 2 ) - راجع الفصل الرابع من المقالة الثالثة من نفس الشفاء ؛ المباحث المشرقية 1 : 406 - 409 . ( 3 ) - م : « يتحصل » . ( 4 ) - قال الشيخ : « قالوا : فأمّا السواد فيتخيّل لعدم غور الجسم وعمقه الضوء والإشفاف معا » وقوله : « لعدم » مضموم العين مع سكون الدال ، و « الضوء » و « الإشفاف » منصوبان على المفعولية . ( 5 ) - م : « المتصغرة » .