تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني / لباب المحصل في أصول الدين لابن خلدون / الإشارة إلى مذهب أهل الحق ابراهيم الشيرازي — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
مخلوق للّه تبارك وتعالى ، وليس بقائم بنفسه ولا حي ولا قادر ولا عالم ولا متكلم ، وما هذه حالته فلا يصح أن يوجب على العقلاء ولا على غيرهم شيئا ولا أن يحرم شيئا ولا يقبح شيئا ، ولا يعلم به غير المعلومات التي لا تتعلق به كجميع العلوم . إذا كان الأمر كذلك لم تصر الأفعال حسنة واجبة بإيجابه ، ولا محرمة قبيحة بتحريمه ، ولا مباحة كسائر الحوادث لأنه محدث مخلوق كسائر العلوم والحوادث ، ولو وجب عليهم شيء من جهة العقل قبل مجيء الرسل فكان حجة عليهم مجردة في ذلك لما قال :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
( النساء : من الآية 165 ) بل كان الواجب أن يقول لئلا يكون للّه حجة بعد العقل . ولما بطل ذلك دل على أن العقل ليس له تأثير في شيء مما ذكرناه . فإن قيل : لم قلتم إن اللّه عز وجل مريد للمعاصي خالق لها فبأي شيء يستحق العبد العقوبة ؟ يقال لهم : هل تثبتون أن اللّه عز وجل مريد للطاعة خالق لها أم لا ؟ فإن قيل ليس مريدا لها ولا خالق أيضا فلا كلام معهم والأولى السكوت عنهم ؛ لأنهم قد كذبوا الرب في خبره ، وقال عز وجل
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
( الأنعام : من الآية 102 ) . وإن قيل : إنه مريد لإيجادها وخالق لها يقال : فالعبد بأي شيء ينال الثواب والدرجات ، وكل دليل لهم هنا هو دليل لنا هناك فكما أنه يقدرنا على فعل الطاعة ويخلقها لنا ثم يثيبنا عليها بفضله فكذلك أيضا يقدرنا على المعصية ، ويخلقها لنا ثم يعاقبنا عليها بعدله لأنه متصرف في ملكه على الإطلاق . وقد روى في الخبر أن اللّه عز وجل أوحى إلى أيوب : « لو لم أخلق لك تحت كل شعرة صبرا لما صبرت » ثم بعد ذلك يمدحه ويثنى عليه بقوله
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ
( ص : من الآية 44 ) فإذا كان الرب عز وجل خلق الصبر له فبأي شيء نال هذا المدح والثناء فدل على أن الأمر ما ذكرناه
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
( الأنبياء : 23 ) . فإن قيل : وجدنا أحدنا إذا قال لغلامه : اكسر هذا الإناء فكسره ثم عاقبه يكون ظالما ، فإذا قلنا إن اللّه عز وجل مريد للمعاصي ثم يعاقب عليها يكون ظالما ؟ . يقال : حقيقة الظلم هو تجاوز الحد ، فالسيد إذا قال لغلامه اكسر هذا الإناء وعاقبه يكون ظالما لأن فوقه آمرا وهو اللّه عز وجل أمره أن لا يتجاوز مع عبده الحد فإذا تجاوزه يكون ظالما ، ثم يقال لهم : هذا السيد أمر عبده بكسر الإناء فكان عقوبته ظلما له والرب عز وجل لم يأمر بالمعاصي قال اللّه عز وجل
إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ