كله محكم ، أو فيه آيات منسوخة بآيات هي في القرآن ؟ أو بأحاديث ؟
وسبب اختلافهم : « موهم التعارض » الظاهر بين الآيات ، مثل قوله تعالى :
« فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ »
ومثل :
« فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ »
فان القتل والعفو متعارضان في المعنى بحسب الظاهر .
وهذا سبب اختلافهم ، وقول بعضهم بالنسخ ، أي بآيات تقرأ للتعبد بها ، وليس للعمل بما تدل عليه . والذين منعوا النسخ في أي آية قرآنية وفقوا بين الآيات الموهمة للتعارض في المعنى ، وأظهروا التوفيق بأسلوب واضح يدل على فهمهم الصحيح لكتاب اللّه تعالى . وهذه أمثلة للتوفيق بين الآيات :
المثال الأول : يقول القرطبي في الآية الخامسة من سورة التوبة ، وفيها :
« فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ »
: « قال الحسين بن الفضل : نسخت هذه كل آية في القرآن فيها ذكر الاعراض والصبر على أذى الأعداء » ويقول القرطبي في الآية التاسعة بعد المائة من سورة البقرة وفيها :
« فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا »
: « هذه الآية منسوخة بقوله :
« قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ »
إلى قوله
« صاغِرُونَ »
عن ابن عباس . وقيل : الناسخ لها :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ »
وبالتأمل في المعنيين نجد أن العفو والصفح إلى غاية ، وهي
« حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ »
فإذا جاء الأمر بالقتال انتهى العفو والصفح وعلى ذلك فالعفو والصفح في زمن . والقتل في زمن آخر ، واختلاف الزمنيين يمنع القول بالنسخ . ولقد جاء العفو والصفح في الآية عقب حكاية اللّه تعالى عن حسدهم للمسلمين . فان الحاسد يظهر من فمه ما يدل على غيظه وحنقه ، رغم أنفه ، كما يقول تعالى عنهم :
« قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ، وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ »
[ آل عمران 118 ] وفي هذه الحالة يجب العفو والصفح .
لكن إذا اشتد الحسد حتى حملهم على حمل السلاح في وجوه المسلمين .
ففي حالة حمل السلاح يجب على المسلمين أن يقاتلوهم حتى يسلموا ، أو يسالموا بدفع الجزية .
المثال الثاني : يقول القائلون بالنسخ : أن اللّه تعالى حرم الخمر على الناس بالتدريج ، وأول ما نزل في التحريم من القرآن - على رأى - :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ؟ قُلْ : فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ، وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما »
[ البقرة 219 ] ثم بعده :
« لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ،