القيامة فتحريم الجمل مثلا لعلة هي فيه يعلمها اللّه تعالى . وتظل العلة كامنة فيه ما دام الجمل موجودا . وقال العبرانيون بجواز النسخ ، لأن التحريم ليس للعلل وللأسباب في كل ما حرم ، بل لامتثال أمر اللّه تعالى : ولو كان التحريم للعلل وللأسباب التي تضر بالانسان مثلا فلما ذا كان كل الطعام حلا لبنى إسرائيل من قبل أن تنزل التوراة ؟
التوراة تصرح بنسخ الشرائع :
ونبوءات التوراة عن النبي المنتظر ، الّذي أخبر عن مجيئه موسى في الأصحاح الثامن عشر من سفر التثنية تقول للسامريين وللعبرانيين : ان النسخ في يوم من الأيام واقع على كتاب موسى من النبي المنتظر ، سواء كان هو منهم - كما يزعمون - أو من غيرهم . فان موسى قال عنه لبنى إسرائيل :
« تسمعون له وتطيعون » أي ان أمرهم فيما يأمر بترك كتاب موسى يسمعون لأمره ويطيعون . أي أن صرح بنسخ أحكام التوراة يسمعون له ويطيعون .
واليهود والعبرانيون يقرءون النبوءات ويزعمون بأنه لا ينسخ شريعة موسى الا نبي من بني إسرائيل ولم يأت بعد . ويزعم النصارى : أنه قد جاء ، وأنه هو المسيح بن مريم ، وقد نسخ التوراة مع أن المسيح من بني إسرائيل .
ومن أجل ذلك حكى اللّه عن بني إسرائيل أنه :
« لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ، نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ : كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ . كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ »
أي لا يعلمون أن محمدا نبي الاسلام - صلى اللّه عليه وسلم - على حق . وأنه :
« ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ ، أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ . وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ »
وهذا الخير هو « القرآن الكريم » .
ثم بين اللّه تعالى أنه قادر على كل شيء . بين أنه لما اختص بنى إسماعيل بالقرآن ، وهو شريعة مماثلة لشريعة موسى ، وناسخة لأحكامها ، بين أنه اختصهم بفضله ورحمته ، كما فضل بني إسرائيل من قبل على العالمين بفضله ورحمته . ثم قال عن قدرته في هذا الشأن :
« ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها . نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها . أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ؟ »
[ البقرة 106 ] أي إذا نسخنا شريعة موجودة - ولها كتاب - مثل شريعة موسى . أو أنسينا الناس شريعة كانت موجودة - وضاع كتابها - مثل شريعة نوح إذا نسخنا أو أنسينا نأت بالخير أو بالمثل . واللّه قادر على