كون الشخص انسانا موصوفا بالرسالة ، معناه : كونه كاملا في قوته النظرية والعملية ، وقادرا على معالجة الناقصين في هاتين القوتين . وليس من شرط حصول هذه الصفة ، كونه قادرا على الأحوال التي طلبتموها منى .
ومن جملة الآيات الدالة على ما ذكرناه أيضا : أنه تعالى لما قال في سورة الشعراء : « 19 »
« وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ »
أورد عليه سؤالا ، وهو انه :
لم لا يجوز أن يكون هذا من تنزيل الشياطين ؟ فقال جوابا عنه :
« وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ »
ثم بين الجواب ، فقال :
« هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ؟ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ »
والمعنى : أنه ان كانت الدعوة إلى طلب الدنيا ، وطلب اللذات والشهوات ، كان ذلك الداعي أفاكا أثيما ، والذين يعينونه عليه هم الشياطين . وأما أنا فأدعو إلى اللّه ، وإلى الاعراض عن الدنيا ، والاقبال على الآخرة ، ولا يكون هذا [ بإعانة الشياطين « 20 » ] بل بإعانة اللّه تعالى . فاستدل بكون دعوته إلى اللّه تعالى وإلى الحق ، على كونه نبيا صادقا ، لا ساحرا خبيثا ، ولما أورد عليه سؤالا آخر ، وهو : أن لكل واحد من الشعراء شيطانا . يعينه على شعره ، فلم لا يجوز أن يكون حالك كذلك ؟ أجاب عنه بقوله :
« وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ »
والمعنى أن الشاعر أنما يدعو إلى الطمع في الدنيا ، وإلى الترغيب في اللذات البدنية ، وأما أنا فادعوا إلى اللّه تعالى وإلى الدار الآخرة .
فامتنع أن يكون الناصر والمعين في هذه الطريقة : هو الشيطان .
فظهر الفرق .
وقد ظهر بهذه الآيات : أن الطريق الّذي ذكرناه في اثبات النبوة هو الطريق الأكمل الأفضل [ واللّه أعلم « 21 » ] .
هامش
( 19 ) الشعراء 192 وما بعدها .
( 20 ) سقط ( ت ) .
( 21 ) من ( ل ، طا ) .