- قد استدلّ بما قاله أبو علي رحمه اللّه من أنّ القدرة لو كانت لا تنفكّ من الفعل لوجب أن يكون لها تأثير الموجبات ، من حيث أحالوا وجودها إلّا والفعل موجود وهذا أبلغ ما يقال في أحكام الموجبات . فيجب أن يكون الفعل الواقع من فعل فاعلها وأن ترجع أحكامه إليه دوننا ، لأنّه قد فعل ما يوجب هذا الفعل على أبلغ ما يمكن . فصار حكمه حكم السبب والمسبّب فكما أنّا نضيف المسبّب إلى فاعل السبب فكذلك يجب في القدرة ومقدورها .
وهذا يخرج فعلنا من أن يكون له تعلّق بنا . وإذا لم يتعلّق بنا لم يرجع حكمه إلينا كما لا يرجع حكم القدرة إلينا ، لأنّ أحدنا لا يوصف بالمدح والذمّ وما يتبعهما لما أوجده اللّه فيه من القدرة ، فكان ينبغي أن يحلّ الفعل محلّها . وقد عرفنا باضطرار خلاف ذلك فيما فعله من قبيح وحسن . ومتى أخرجوا أحدنا عن كونه فاعلا ولم يثبتوا تعلّقا لفعله به ، فالقدرة لا يصحّ إثباتها فضلا عن غير ذلك ( ق ، ت 2 ، 116 ، 3 )
- إنّ القدرة تثبت بكون القادر قادرا ، وكونه قادرا يثبت بكونه محدثا وفاعلا . والطريق إلى ذلك وجوب وقوع فعله بحسب دواعيه . فإن كانت القدرة متى وجدت وجب وجود الفعل عندها فلا معنى لاعتبار الدواعي ، وكان ينبغي أن يقع الفعل مع سلامة الأحوال وإن كانت الدواعي منتفية ، وهذا لا يصحّ . فليس بعد ذلك إلّا أن يصحّ وجود القدرة وثبات كونه قادرا وليس بفاعل ثمّ يصير فاعلا عند الدواعي ، وهذا لا يتمّ إلّا على أصلنا ( ق ، ت 2 ، 116 ، 22 )
- جوّزنا أن تتعلّق القدرة بأجزاء كثيرة من التأليف تفعل بها في محل واحد إذا جاوز بها القادر أجزاء كثيرة ؛ لأنّ هناك قدرا مخصوصا تكون القدرة بأن تتعلّق به أولى من غيره ، فكذلك القول في العلل ( ق ، غ 4 ، 314 ، 10 )
- اعلم أنّ الذي نعتبره في القدرة ، هو أنّها إذا تعلّقت بالمقدور ، متى تعدّت في التعلّق الوجه الواحد ، لم تنحصر . فأمّا من حيث إثبات الأعداد ، فلا يجب فيه ما ذكرته دون أن يعلم بدليل مستأنف أنّه لا يتعدّى الواحد في التعلّق ، ولذلك يجوز تعلّق العلم بمعلومات على جهة الجملة ، وحلول التأليف في المحلّين ( ق ، غ 4 ، 325 ، 8 )
- إنّ القدرة هي قدرة على الإرادة ، حصل القادر عالما بالمراد ، أو في حكم العالم به ، أو لم يحصل كذلك ؛ وهي أيضا قدرة على اعتقاد صفة الشيء ، وإن لم يعلم ذلك الشيء ، ولا يصحّ مع ذلك أن تفعل مقدوراتها لعدم ما هو كالأصل له ، فلذلك لا يمتنع ما قلناه من كونه قادرا على الشيء مع المنع من وجوده ( ق ، غ 4 ، 334 ، 8 )
- حكي عن النظّام والأسواري والجاحظ أنّ وصفه تعالى بالقدرة على الظلم والكذب وترك الأصلح محال ، وإن كان يقدر من أمثال الأصلح والحسن على ما لا نهاية له . قالوا :
لأنّ ذلك يوجب النقص والحاجة ، وذلك يستحيل عليه تعالى ؛ فما أوجب ذلك من فعل الظلم يجب استحالته . وإلى ذلك ذهب أكثر المجبرة ، والحشوية ، والمرجئة ، والروافض ؛ وفيهم من ارتكب القول بأنّه تعالى لا يوصف بالقدرة على أن يفعل خلاف ما علم أنّه يفعله .
وقد حكي عن أبي علي الأسواري أنّه قال : إذا قرن القول بأنّه جلّ وعزّ عالم بأنّ الشيء لا يكون مع القول بأنّه يقدر على تكوينه ، كان
موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي — صفحة 997
مساهمون: سميح دغيم
ص٩٩٧