موشّح
- أما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قطرهم وتهذّبت مناحيه وفنونه ، وبلغ التنميق فيه الغاية ، استحدث المتأخّرون منهم فنّا منه سمّوه بالموشّح ينظّمونه أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا ، يكثرون منها ومن أعاريضها المختلفة ، ويسمّون المتعدّد منها بيتا واحدا ، ويلتزمون عند قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتاليا فيما بعد إلى آخر القطعة ، وأكثر ما تنتهي عندهم إلى سبعة أبيات . ويشتمل كل بيت على أغصان عددها بحسب الأغراض والمذاهب . وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد . وتجأروا في ذلك إلى الغاية واستظرفه الناس جملة الخاصة والكافّة لسهولة تناوله ، وقرب طريقه .
( مقد 3 ، 1337 ، 11 )
مولى
- إنّ الشرف بالأصالة والحقيقة إنّما هو لأهل العصبيّة . فإذا اصطنع أهل العصبيّة قوما من غير نسبهم أو استرقّوا العبدان والموالي ، والتحموا بهم كما قلناه ، ضرب معهم أولئك الموالي والمصطنعون بنسبهم في تلك العصبيّة ولبسوا جلدتهم كأنّها عصبتهم ، وحصل لهم من الانتظام في العصبية مساهمة في نسبها ؛ كما قال صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « مولى القوم منهم » - ( صحيح البخاري ، كتاب المناقب ، باب ابن أخت القوم ومولى القوم منهم ، ح 27 ، 5 / 18 بلفظ « ؛ . . . ابن أخت القوم منهم » ؛ كما ورد في صحيح البخاري ، كتاب الفرائض ، باب مولى القوم من أنفسهم وابن الأخت منهم ، ح 38 ، 8 / 278 بلفظ « . . . مولى القوم من أنفسهم . . . » ) - ، وسواء كان مولى رقّ أو مولى اصطناع وحلف . وليس نسب ولادته بنافع له في تلك العصبيّة ، إذ هي مباينة لذلك النسب ، وعصبيّة ذلك النسب مفقودة لذهاب سرّها عند التحامه بهذا النسب الآخر ، وفقدانه أهل عصبيّتها ، فيصير من هؤلاء ويندرج فيهم . فإذا تعدّدت له الآباء في هذه العصبيّة كان له بينهم شرف وبيت على نسبته في ولائهم واصطناعهم لا يتجاوزه إلى شرفهم ، بل يكون أدون منهم على كل حال . وهذا شأن الموالي في الدول والخدمة كلهم ؛ فإنهم إنما يشرفون بالرسوخ في ولاء الدولة وخدمتها وتعدّد الآباء في ولايتها . ألا ترى إلى موالي الأتراك في دولة بني العباس وإلى بني برمك من قبلهم وبني نوبخت كيف أدركوا البيت والشرف وبنوا المجد والأصالة بالرسوخ في ولاء الدولة .
( مقد 2 ، 494 ، 2 )
- إذا كانت هذه الولاية بين القبيل وبين أوليائهم قبل حصول الملك لهم ، كانت عروقها أوشج ، وعقائدها أصحّ ، ونسبها أصرح ، لوجهين : أحدهما أنّهم قبل الملك أسوة في حالهم ، فلا يتميّز النسب عن الولاية إلّا عند الأقلّ منهم ، فيتنزّلون منهم منزلة ذوي قرابتهم وأهل أرحامهم . وإذا اصطنعوهم بعد الملك كانت مرتبة الملك