تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
مميّزة للسيّد عن المولى ، ولأهل القرابة عن أهل الولاية والاصطناع ، لما تقتضيه أحوال الرئاسة والملك من تميّز الرتب وتفاوتها ، فتتميّز حالتهم ويتنزّلون منزلة الأجانب ، ويكون الالتحام بينهم أضعف والتناصر لذلك أبعد ، وذلك أنقص من الاصطناع قبل الملك . الوجه الثاني أنّ الاصطناع قبل الملك يبعد عهده عن أهل الدولة بطول الزمان ، ويخفى شأن تلك اللحمة ، ويظنّ بها في الأكثر النّسب فيقوى حال العصبيّة . وأمّا بعد الملك فيقرب العهد ويستوي في معرفته الأكثر ، فتبيّن اللحمة وتتميّز عن النسب فتضعف العصبيّة بالنسبة إلى الولاية التي كانت قبل الدولة . واعتبر ذلك في الدول والرئاسات تجده . فكل من كان اصطناعه قبل حصول الرئاسة والملك لمصطنعه تجده أشدّ التحاما به ، وأقرب قرابة إليه ، ويتنزّل منه منزلة أبنائه وإخوانه وذوي رحمه . ومن كان اصطناعه بعد حصول الملك والرئاسة لمصطنعه لا يكون له من القرابة واللحمة ما للأوّلين . وهذا مشاهد بالعيان ؛ حتى إن الدولة في آخر عمرها ترجع إلى استعمال الأجانب واصطناعهم ، ولا يبنى لهم مجد كما بناه المصطنعون قبل الدولة ، لقرب العهد حينئذ بأوّليتهم ومشارفة الدولة على الانقراض ، فيكونون منحطين في مهاوي الضعة . وإنما يحمل صاحب الدولة على اصطناعهم والعدول إليهم عن أوليائها الأقدمين وصنائعها الأولين ما يعتريهم في أنفسهم من العزّة على صاحب الدولة ، وقلّة الخضوع له ، ونظره بما ينظره به قبيله وأهل نسبه ، لتأكّد اللحمة منذ العصور المتطاولة بالمربى والاتصال بآبائه وسلف قومه ، والانتظام مع كبراء أهل بيته ؛ فيحصل لهم بذلك دالّة عليه واعتزاز ؛ فينافرهم بسببها صاحب الدولة ، ويعدل عنهم إلى استعمال سواهم ؛ ويكون عهد استخلاصهم واصطناعهم قريبا ، فلا يبلغون رتب المجد ، ويبقون على حالهم من الخارجية . وهكذا شأن الدول في أواخرها . وأكثر ما يطلق اسم الصنائع والأولياء على الأوّلين . وأمّا هؤلاء المحدثون فخدم وأعوان . ( مقد 2 ، 569 ، 7 )