ف
فتيا وقضاء
- قيمة الأعمال . . . متفاوتة بحسب الحاجة إليها ، فإذا كانت الأعمال ضروريّة في العمران عامّة البلوى به ، كانت قيمتها أعظم وكانت الحاجة إليها أشدّ . وأهل هذه الصنائع الدينيّة لا تضطرّ إليهم عامّة الخلق ، وإنّما يحتاج إلى ما عندهم الخواصّ ممن أقبل على دينه ؛ وإن احتيج إلى الفتيا والقضاء في الخصومات فليس على وجه الاضطرار والعموم ، فيقع الاستغناء عن هؤلاء في الأكثر . وإنّما يهتم بإقامة مراسمهم صاحب الدولة بما له من النظر في المصالح ، فيقسم لهم حظّا من الرزق على نسبة الحاجة إليهم على النحو الذي قرّرناه ، لا يساويهم بأهل الشوكة ولا بأهل الصنائع ، من حيث الدين والمراسم الشرعيّة ، ولكنه يقسّم بحسب عموم الحاجة وضرورة أهل العمران ، فلا يصحّ في قسمهم إلّا القليل . وهم أيضا لشرف بضائعهم أعزّة على الخلق وعند نفوسهم ، فلا يخضعون لأهل الجاه حتى ينالوا منه حظّا يستدرّون به الرزق ، بل ولا تفرغ أوقاتهم لذلك ، لما هم فيه من الشغل بهذه الصنائع الشريفة المشتملة على أعمال الفكر والبدن ، بل ولا يسعهم ابتذال أنفسهم لأهل الدنيا لشرف صنائعهم ، فهم بمعزل عن ذلك . فلذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب . ( مقد 2 ، 925 ، 18 )
فساد العمران
- إنّ الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره وأنّها مؤذنة بفساده . قد بيّنا لك ( ابن خلدون ) فيما سلف أنّ الملك والدولة غاية للعصبية ، وأنّ الحضارة غاية للبداوة ، وأنّ العمران كلّه من بداوة وحضارة وملك وسوقة له عمر محسوس ، كما أنّ للشخص الواحد من أشخاص المكوّنات عمرا محسوسا . وتبيّن في المعقول والمنقول أنّ الأربعين للإنسان غاية في تزايد قواه ونموّها ، وأنّه إذا بلغ سن الأربعين وقفت الطبيعة على أثر النشوء والنمو برهة ، ثم تأخذ بعد ذلك في الانحطاط . فلتعلم أنّ الحضارة في العمران أيضا كذلك . لأنّه غاية لا مزيد وراءها . وذلك أنّ الترف والنعمة إذا حصلا لأهل العمران دعاهم بطبعة إلى مذاهب الحضارة والتخلّق بعوائدها . والحضارة كما علمت هي التفنّن في الترف واستجادة أحواله ، والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه وسائر فنونه من الصنائع المهيئة للمطابخ أو الملابس أو المباني أو الفرش أو الآنية ولسائر أحوال المنزل . وللتأنّق في كل واحد من هذه صنائع كثيرة لا يحتاج إليها عند البداوة وعدم التأنّق فيها . وإذا بلغ التأنّق في هذه الأحوال المنزليّة الغاية تبعه طاعة الشهوات ، فتتلوّن النفس من تلك العوائد