الحق ، مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم ، لحمله إيّاهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته ، ويختلف ذلك باختلاف المقاصد من الخلف إلى السلف منهم ، فتعسر طاعته لذلك ، وتجيء العصبيّة المفضية إلى الهرج والقتل . فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسيّة مفروضة يسلّمها الكافّة وينقادون إلى أحكامها كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم . وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها ، ولا يتمّ استيلاؤها :
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ
( الأحزاب :
38 ) . فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها كانت سياسة عقلية ؛ وإذا كانت مفروضة من اللّه بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينيّة نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة . وذلك أنّ الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط ، فإنّها كلها عبث وباطل إذ غايتها الموت والفناء . . . فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة ؛ حتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع الإنسانيّ ، فاجرته على منهاج الدين ليكون الكل محوطا بنظر الشارع .
( مقد 2 ، 577 ، 3 )
سياسة مدنيّة
- السياسة المدنية هي تدبير المنزل أو المدينة بما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة ، ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبقاؤه . ( مقد 1 ، 332 ، 2 )
- ما تسمعه من السياسة المدنية فليس من هذا الباب - ( العمران البشري لا بدّ له من سياسة ) - ، وإنما معناه عند الحكماء ما يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه وخلقه حتى يستغنوا عن الحكام رأسا : ويسمّون المجتمع الذي يحصل فيه ما يسمّى من ذلك « بالمدينة الفاضلة » ؛ والقوانين المراعاة في ذلك « بالسياسة المدنية » .
وليس مرادهم السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع بالمصالح العامة ؛ فإن هذه غير تلك . وهذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع ، وإنما يتكلّمون عليها على جهة الفرض والتقدير . ( مقد 2 ، 773 ، 10 )
سياسة الملك
- فقد تبيّن لك كيف انقلبت الخلافة إلى الملك . وأنّ الأمر كان في أوّله خلافة ، ووازع كل أحد فيها من نفسه وهو الدين ، وكانوا يؤثرونه على أمور دنياهم وإن أفضت إلى هلاكهم وحدهم دون الكافة .
فهذا عثمان لما حصر في الدار جاءه الحسن والحسين وعبد اللّه بن عمر وابن جعفر وأمثالهم يريدون المدافعة عنه ، فأبى ومنع من سلّ السيوف بين المسلمين مخافة الفرقة وحفظا للألفة التي بها حفظ الكلمة ، ولو أدّى إلى هلاكه . وهذا عليّ أشار عليه المغيرة لأول ولايته باستبقاء الزبير ومعاوية وطلحة على أعمالهم حتى