سياسة
- إنّ من علامات الملك التنافس في الخلال الحميدة وبالعكس : لمّا كان الملك طبيعيّا للإنسان لما فيه من طبيعة الاجتماع كما قلناه ، وكان الإنسان أقرب إلى خلال الخير من خلال الشر بأصل فطرته وقوّته الناطقة العاقلة ، لأنّ الشر إنّما جاءه من قبل القوى الحيوانيّة التي فيه ، وأمّا من حيث هو إنسان فهو إلى الخير وخلاله أقرب ، والملك والسياسة إنّما كانا له من حيث هو إنسان ، لأنّها خاصة للإنسان لا للحيوان ؛ فإذا خلال الخير فيه هي التي تناسب السياسة والملك ، إذ الخير هو المناسب للسياسة . وقد ذكرنا أنّ المجد له أصل ينبني عليه ، وتتحقّق به حقيقته وهو العصبيّة والعشير ، وفرع يتمّ وجوده ويكمّله وهو الخلال . وإذا كان الملك غاية للعصبية فهو غاية لفروعها ومتمّماتها ، وهي الخلال ؛ لأنّ وجوده دون متمّماته كوجود شخص مقطوع الأعضاء أو ظهوره عريانا بين الناس . وإذا كان وجود العصبيّة فقط من غير انتحال الخلال الحميدة نقصا في أهل البيوت والأحساب ، فما ظنّك بأهل الملك الذي هو غاية لكل مجد ونهاية لكل حسب . ( مقد 2 ، 504 ، 13 )
- حكم الملك والسلطان إنّما يجري على ما تقتضيه طبيعة العمران وإلّا كان بعيدا عن السياسة . فطبيعة العمران في هؤلاء لا تقتضي لهم شيئا من ذلك ، لأنّ الشورى والحلّ والعقد لا تكون إلّا لصاحب عصبيّة يقتدر بها على حل أو عقد أو فعل أو ترك ، وأما من لا عصبيّة له ولا يملك من أمر نفسه شيئا ولا من حمايتها ، وإنّما هو عيال على غيره ، فأي مدخل له في الشورى ، أو أي معنى يدعو إلى اعتباره فيها . اللهم إلّا شوراه فيما يعلمه من الأحكام الشرعيّة فموجودة في الاستفتاء خاصّة . وأما شوراه في السياسة فهو بعيد عنها لفقدانه العصبيّة والقيام على معرفة أحوالها وأحكامها . ( مقد 2 ، 634 ، 8 )
- ( الشّرطة ) ويسمّى صاحبها لهذا العهد بإفريقية الحاكم ؛ وفي دولة أهل الأندلس صاحب المدينة ؛ وفي دولة الترك الوالي .
وهي وظيفة مرءوسة لصاحب السيف في الدولة ، وحكمه نافذ في صاحبها في بعض الأحيان . وكان أصل وضعها في الدولة العباسيّة لمن يقيم أحكام الجرائم في حال استبدائها أولا ثم الحدود بعد استيفائها .
فإنّ التهم التي تعرض في الجرائم لا نظر للشرع إلّا في استيفاء حدودها ، وللسياسة النظر في استيفاء موجباتها بإقرار يكرهه عليه الحاكم إذا احتفت به القرائن لما توجبه المصلحة العامّة في ذلك . ( مقد 2 ، 687 ، 11 )
- إنّ الدولة والملك للعمران بمثابة الصورة للمادة وهو الشكل الحافظ بنوعه لوجودها . وقد تقرّر في علوم الحكمة أنّه لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر .
فالدولة دون العمران لا تتصوّر ؛ والعمران دون الدولة والملك متعذّر ، لما في طباع البشر من العدوان الداعي إلى الوازع فتتعيّن السياسة لذلك ، إمّا الشرعية أو