وقال الطيبي « 1 » : المراد بالمحكم ما اتّضح معناه والمتشابه بخلافه لأنّ اللفظ الموضوع لمعنى إما أن يحتمل غير ذلك المعنى أولا ، والثاني النّص ، والأول إمّا أن تكون دلالته على ذلك الغير أرجح أولا ، والأول هو الظاهر ، والثاني إمّا أن تكون مساوية أولا ، والأول المجمل ، والثاني المأوّل . فالقدر المشترك بين النّصّ والظاهر هو المحكم وبين المجمل والمأوّل هو المتشابه . وعلم المتشابه مختصّ باللّه ، فالوقف على قوله تعالى
إِلَّا اللَّهُ
تام .
وقال بعضهم العقل مبتلى باعتقاد حقّية المتشابه كابتلاء البدن بأداء العبادة كالحكيم إذا صنّف كتابا أجمل فيه أحيانا ليكون موضع خضوع المتعلّم للأستاذ .
وقال الإمام الرازي اللفظ إذا كان محتملا لمعنيين وكان بالنسبة إلى أحدهما راجحا وبالنسبة إلى الآخر مرجوحا ، فإن حملناه على الراجح فهذا هو المتشابه ، فنقول صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بدّ فيه من دليل منفصل ، وهو إمّا لفظي أو عقلي ، والأول لا يمكن اعتباره في المسائل الأصولية الاعتقادية القطعية لتوقّفه على انتفاء الاحتمالات العشرة المعروفة ، وانتفاؤها مظنون والموقوف على المظنون مظنون ، والظّنّي لا يكتفى [ به في الأصول ] « 2 » ، وإنّما العقلي يفيد صرف اللفظ عن الظاهر لكون الظاهر محالا . وأمّا إثبات المعنى المراد « 3 » فلا يمكن بالعقل لأنّ طريق ذلك ترجيح مجاز على مجاز وتأويل على تأويل ، وذلك الترجيح لا يمكن إلّا بالدليل اللفظي ، والدليل اللفظي في الترجيح ضعيف لا يفيد إلّا الظّنّ ، ولذا اختار الأئمة المحقّقون من السلف والخلف أنّ بعد إقامة الدليل القاطع على أنّ حمل اللفظ على ظاهره محال لا يجوز الخوض في تعيين التأويل وقال الخطابي « 4 » المتشابه على ضربين الأول ما إذا ردّ إلى المحكم واعتبر به عرف معناه والآخر ما لا سبيل إلى معرفة حقيقته وهو الذي يتبعه أهل الزيغ .
وقال الراغب الآيات ثلاثة أضرب : محكم على الإطلاق ، ومتشابه على الاطلاق ، ومحكم من وجه متشابه من وجه . فالمتشابه بالجملة ثلاثة أضرب : متشابه من جهة اللفظ فقط وهو ضربان : أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة إمّا من جهة الغرابة نحو يزفون أو الاشتراك كاليد والوجه ، وثانيهما يرجع إلى الكلام المركّب وذلك ثلاثة أضرب : ضرب لاختصار الكلام نحو
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ
« 5 » وضرب لبسطه نحو
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
« 6 » لأنّه لو قيل ليس مثله شيء كان أظهر للسامع ، وضرب لنظم الكلام نحو
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً
« 7 » إذ تقديره أنزل على عبده الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجا ، ومتشابه من جهة المعنى فقط وهو أوصاف اللّه تعالى وأوصاف القيامة ، فإنّ تلك الصفات لا تتصوّر لنا إذ لا تحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسّه ، ومتشابه من جهتهما أي من جهة اللفظ والمعنى وهو خمسة أضرب : الأول من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو اقتلوا
هامش
( 1 ) من علماء الحديث توفي 743 ه . سبقت ترجمته .
( 2 ) [ به في الأصول ] ( + م )
( 3 ) المقصود ( م ، ع )
( 4 ) فقيه محدث توفي عام 388 ه . تقدمت ترجمته .
( 5 ) النساء / 3
( 6 ) الشورى / 11
( 7 ) الكهف / 1