والمفتاح فإنّ حركة المفتاح بتوسّط حركة اليد فيكون توليدا . اعلم أنّ التوليد إنّما أثبته المعتزلة لأنّهم لمّا أسندوا أفعال العباد إليهم ورأوا فيها ترتّبا وأيضا رأوا أنّ الفعل المرتّب على فعل آخر يصدر عنهم وإن لم يقصدوا إليه ، فلم يمكنهم إسناد الفعل المركّب إلى تأثير قدرتهم فيه ابتداء لتوقّفه على القصد قالوا بالتوليد ، وهذا باطل عند الأشاعرة لاستناد جميع الممكنات إلى اللّه تعالى ابتداء عندهم .
المبالغة :
[ في الانكليزية ]
Exaggeration
،
overstatement
،
hyperbole
[ في الفرنسية ]
exageration
،
prolixite hyperbole
عند أهل العربية هي أن يدّعي المتكلّم بلوغ وصف في الشدّة أو الضعف حدا مستحيلا أو مستبعدا ليدلّ على أنّ الموصوف بالغ في ذلك الوصف إلى النهاية ، وهو ضربان : أحدهما المبالغة بالصيغة . وصيغ المبالغة فعلان وفعيل وفعّال كرحمان ورحيم وتواب ونحو ذلك مما ذكر في كتب الصرف . قال الزركشي في البرهان : إنّ التحقيق أنّ صيغ المبالغة قسمان :
أحدهما ما تحصل المبالغة فيه بحسب زيادة الفعل والثاني بحسب تعدّد المفعولات ، ولا شكّ أنّ تعدّدها لا يوجب للفعل زيادة ، إذ الفعل قد يقع على جماعة متعدّدين ، وعلى هذا تنزّل صفاته تعالى وإلّا فلا تتصوّر « 1 » المبالغة فيها لتناهيها في الكمال في نفس الأمر لا بحسب ادّعاء المتكلّم . ولهذا قال بعضهم في حكيم : معنى المبالغة فيه تكرار حكمة بالنسبة إلى الشرائع . قال في الكشاف المبالغة في التواب للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده . وقد أورد بعض الفضلاء سؤالا على قوله تعالى :
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 2 » وهو أنّ قديرا من صيغ المبالغة فيستلزم الزيادة على معنى قادر ، والزيادة على معنى قادر محال ، إذ الايجاد « 3 » من واحد لا يمكن فيه التفاضل باعتبار كلّ فرد فرد . وأجيب بأنّ المبالغة لمّا تعذّر حملها على كلّ فرد فرد وجب صرفها إلى مجموع الأفراد التي دلّ السّياق عليها ، فهي بالنسبة إلى كثرة المتعلّق لا الوصف . وذكر البرهان الرشيدي « 4 » أنّ صفات اللّه تعالى التي على صيغ المبالغة كلّها مجاز لأنها موضوعة للمبالغة ولا مبالغة فيها ، واستحسنه الشيخ تقي الدين [ السبكي ] « 5 » . والضرب الثاني المبالغة بالوصف ومنه قوله تعالى :
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
« 6 » و
وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
« 7 » كذا في الإتقان . وفي المطول المبالغة تنحصر في ثلاثة أقسام لأنّ المدّعى إن كان ممكنا عقلا وعادة فتبليغ كقول امرئ القيس :
فعادى عداء بين ثور ونعجة * دراكا ولم ينضح بماء فيغسل
ادّعى أنّ هذا الفرس أدرك ثورا أي ذكرا من بقر الوحش ونعجة أي أنثى منها في مضمار واحد ولم يعرق وهذا ممكن عقلا وعادة . وإن
هامش
( 1 ) نتصور ( م ، ع )
( 2 ) آل عمران / 189
( 3 ) الايجاب ( م ، ع )
( 4 ) البرهان الرشيدي هو برهان الدين إبراهيم بن لاجين بن عبد اللّه الرشيدي المصري الشافعي ، ولد عام 673 ه وتوفي بالقاهرة عام 749 ه علامة نحوي ، فقيه ، منطقي طبيب . له عدة مؤلفات هامة . معجم الأطباء ، ص 59
( 5 ) [ السبكي ] ( + م )
( 6 ) النور / 35
( 7 ) الأعراف / 40