الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
« 1 » روي أنّ اليهود قالوا لقريش : اسألوا عن محمد « 2 » عن ثلاثة أشياء .
فإن أخبركم عن شيئين وأمسك عن الثالثة فهو نبي . اسألوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح . فسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عنها ، فقال عليه السلام غدا أخبركم ولم يقل إن شاء اللّه تعالى . فانقطع الوحي أربعين يوما ثم نزل :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 3 » تعالى « 4 » ثم فسّر لهم قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين وأبهم قصة الروح ، فنزل
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
. ومنهم من طعن في هذه الرواية وقال إنّ الروح ليس أعظم شأنا من اللّه تعالى . فإذا كانت معرفته تعالى ممكنة بل حاصلة فأي معنى يمنع من معرفة الروح . وإنّ مسئلة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة وأراذل المتكلّمين ، فكيف لا يعلم الرسول عليه السلام حقيقته مع أنّه أعلم العلماء وأفضل الفضلاء .
قال الإمام الرازي بل المختار عندنا أنهم سألوا عن الروح وأنّه صلوات اللّه عليه وسلامه أجاب عنه على أحسن الوجوه . بيانه أنّ المذكور في الآية أنهم سألوه عن الروح ، والسؤال يقع على وجوه . أحدها أن يقال ما ماهيته ؟ هو متحيّز أو حالّ في المتحيّز أو موجود غير متحيّز ولا حالّ فيه . وثانيها أن يقال أهو قديم أو حادث ؟ وثالثها أن يقال أهو هل يبقى بعد فناء الأجسام أو يفني ؟ ورابعها أن يقال ما حقيقة سعادة الأرواح وشقاوتها ؟
وبالجملة فالمباحث المتعلّقة بالروح كثيرة وفي الآية ليست دلالة على أنهم عن أي هذه المسائل سألوا : إلّا أنّه تعالى ذكر في الجواب قل الروح من أمر ربي ، وهذا الجواب لا يليق إلّا بمسألتين : إحداهما السؤال عن الماهية أهو عبارة عن أجسام موجودة في داخل البدن متولّدة عن امتزاج الطبائع والأخلاط ، أو عبارة عن نفس هذا المزاج والتركيب ، أو عن عرض آخر قائم بهذه الأجسام ، أو عن موجود يغاير عن هذه الأشياء ؟ فأجاب اللّه تعالى عنه بأنّه موجود مغاير لهذه الأشياء بل هو جوهر بسيط مجرّد لا يحدث إلّا بمحدث قوله
كُنْ فَيَكُونُ
، فهو موجود يحدث من أمر اللّه وتكوينه وتأثيره في إفادة الحياة للجسد ، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه مطلقا ، وهو المراد « 5 » من قوله
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
وثانيتهما السؤال عن قدمها وحدوثها فإنّ لفظ الأمر قد جاء بمعنى الفعل كقوله تعالى
وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ
« 6 » فقوله
مِنْ أَمْرِ رَبِّي
معناه من فعل ربي فهذا الجواب يدلّ على أنهم سألوه عن قدمه وحدوثه فقال : بلى هو حادث ، وإنّما حصل بفعل اللّه وتكوينه . ثم احتج على حدوثه بقوله
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
يعني أنّ الأرواح في مبدأ الفطرة خالية عن العلوم كلّها ثم تحصل فيها المعارف والعلوم ، فهي لا تزال متغيّرة عن حال إلى حال والتغيّر من أمارات الحدوث انتهى .
ثم القائلون بعدم امتناع معرفة الروح اختلفوا في تفسيره على أقوال كثيرة . قيل إنّ الأقوال بلغت المائة . فمنهم من ذهب إلى أنّ
هامش
( 1 ) الإسراء / 85 .
( 2 ) اسألوا محمدا ( م ) .
( 3 ) الكهف / 23 - 24 .
( 4 ) تعالى ( - م ) .
( 5 ) المقصود ( م ، ع ) .
( 6 ) هود / 97 .