الذي يقصد به الإفهام سمّي الكلام في الأزل خطابا لأنّه يقصد به الإفهام في الجملة . ومن قال هو الكلام الذي يقصد به إفهام من هو أهل للفهم على ما هو الأصل لا يسمّيه في الأزل خطابا . والأكثر ممن أثبت للّه تعالى الكلام النفسي من أهل السّنة على أنّه كان في الأزل أمر ونهي وخبر واستخبار ونداء . والأشعرية على أنّه تعالى تكلّم بكلام واحد وهو الخبر ، ويرجع الجميع إليه لينتظم له القول بالوحدة .
وليس كذلك إذ مدلول اللفظ ما وضع له اللفظ لا ما يقتضي مدلوله أو يؤول إليه أو يأول به وإلّا لجاز اعتباره في الخبر أيضا ، فحينئذ يرتفع الوثوق عن الوعد والوعيد لاحتمال معنى آخر من البشارة والإنذار وغيرهما . ومن يريد أن يأمر أو ينهى أو يخبر أو يستخبر أو ينادي يجد في نفسه قبل التلفّظ معناها ثم يعبّر عنه بلفظ أو كتابة « 1 » أو إشارة ، وذلك المعنى هو الكلام النفسي وما يعبّر به هو الكلام اللفظي . وقد يسمّى الكلام الحسّي ، ومغايرتهما بيّنة ، إذ المعبّر به قد يختلف دون المعنى ، والفرق بين الكلام النفسي والعلم هو أنّ ما خاطب به مع نفسه أو مع غيره فهو كلام وإلّا فهو علم .
ونسبة علمه تعالى إلى جميع الأزمنة على السّنوية فيكون جميع الأزمنة من الأزل إلى الأبد بالقياس إليه تعالى كالحاضر في زمان واحد ، فيخاطب بالكلام النفسي مع المخاطب النفسي ، ولا يجب فيه حضور المخاطب الحسّي فيخاطب اللّه تعالى كل قوم بحسب زمانه وتقدّمه وتأخّره ، مثلا إذا أرسلت زيدا إلى عمرو تكتب في مكتوبك إليه أني أرسلت إليك زيدا مع أنّه حين ما تكتبه لم يتحقّق الإرسال فتلاحظ حال المخاطب . وكما تقدّر في نفسك مخاطبا فتقول له تفعل الآن كذا وستفعل بعده كذا ، ولا شكّ أنّ هذا المضي والحضور والاستقبال إنّما هو بالنسبة إلى زمان الوجود المقدّر لهذا المخاطب لا بالنسبة إلى زمان المتكلّم . ومن أراد أن يفهم هذا المعنى فليجرّد نفسه عن الزمان يجد هذا المعنى معاينة وهذا سرّ هذا الموضع واللّه الموفق ، هكذا في كليات أبي البقاء .
ودليل الخطاب عند الأصوليين هو مفهوم المخالفة وفحوى الخطاب ، ولحن الخطاب عندهم هو مفهوم الموافقة والبعض فرّق بينهما ، ويجيء في لفظ المفهوم .
الخطابة :
[ في الانكليزية ]
Rhetoric
[ في الفرنسية ]
Rhetorique
بالفتح بمعنى فريفتن بزبان - التأثير بالبيان - كما في الصراح . وعند المنطقيين والحكماء هو القياس المؤلّف من المظنونات أو منها ومن المقبولات ويسمّى قياسا خطابيا أيضا ، ويسمّى أمارة عند المتكلّمين ، صرّح بذلك السّيد الشريف في حاشية شرح الطوالع . وصاحب هذا القياس يسمّى خطيبا والغرض منه ترغيب الناس فيما ينفعهم من أمور معاشهم ومعادهم كما يفعله الخطباء والوعاظ .
اعلم أنّهم خصّوا الجدل والخطابة بالقياس لأنهم لا يبحثون إلّا عنه وإلّا فهما قد يكونان استقراء وتمثيلا ، هكذا في شرح الشمسية وحواشيه .
وفي المحاكمات الإقناعي يطلق على الخطابي وهو الدليل المركّب من المشهورات والمظنونات انتهى .
وقول العلماء هذا مقام خطابي أي مقام يكتفى فيه بمجرّد الظّنّ كما وقع في المطول .
ثم اعلم أنّ خطابات القرآن على أنحاء شتى ، فكلّ خطاب في القرآن بقل فهو خطاب التشريف . وخطاب العام والمراد به العموم نحو
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
« 2 » . وخطاب الخاص
هامش
( 1 ) كناية ( م ، ع ) .
( 2 ) الروم / 40 و 54 .