تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 731

مساهمون:

ص٧٣١
الخارق على السّحر على سبيل المجاز . وقال الإمام الرازي في التفسير الكبير في سورة الكهف : إذا ظهر فعل خارق للعادة على يد إنسان فذلك إمّا أن يكون مقرونا بالدعوى أولا . أمّا القسم الأول فتلك الدعوى إمّا أن تكون دعوى الإلهية أو دعوى النبوّة أو دعوى الولاية أو دعوى السّحر وطاعة الشياطين ، فهذه أربعة . الأول ادّعاء الإلهية ويسمّى هذا الخارق الذي يظهر من المتألّه بالابتلاء كما في الشمائل المحمدية . وجوّز أصحابنا ظهور الخارق على يده من غير معارضة ، كما نقل عن فرعون من ظهور الخوارق على يده ، وكما نقل ذلك عن الدّجّال . وإنما جاء ذلك لأنّ شكله وخلقته تدلّ على كذبه ، وظهور الخوارق على يده لا يفضي إلى التلبيس . والثاني ادّعاء النبوّة ، وهذا على ضربين لأنه إمّا أن يكون المدّعي صادقا أو كاذبا . فإن كان صادقا وجب ظهور الخوارق على يده ، وهذا متفق عليه بين كل من أقرّ بصحة نبوة الأنبياء وإن كان كاذبا لم يجز ظهور الخوارق على يده . وبتقدير أن يظهر وجب حصول المعارضة . وأما الثالث وهو ادعاء الولاية فالقائلون بكرامات الأولياء اختلفوا في أنه هل يجوز ادّعاء الكرامة ، ثم إنّها تحصل على وفق دعواه أم لا . وأما الرابع وهو ادّعاء السحر وطاعة الشياطين فعند أصحابنا يجوز ظهور الخوارق على يده ، وعند المعتزلة لا يجوز . أمّا القسم الثاني وهو أن تظهر الخوارق على يد إنسان من غير شيء من الدعاوي فذلك الإنسان إمّا أن يكون صالحا مرضيا عند اللّه أو يكون خبيثا مذنبا . فالأول هو القول بكرامات الأولياء . وقد اتفق أصحابنا على جوازه وأنكرتها المعتزلة إلّا أبا الحسين « 1 » البصري وصاحبه محمود الخوارزمي . وأمّا الثاني وهو أن تظهر الخوارق على يد بعض من كان مردودا عن طاعة اللّه تعالى فيجوز أيضا ، وهذا هو المسمّى بالاستدراج . ثم قال اعلم أنّ من أراد شيئا فأعطاه اللّه تعالى مراده لم يدل ذلك على كونه وجيها عنده تعالى ، سواء كانت تلك العطية على وفق العادة أو على خلافها ، بل قد يكون ذلك إكراما للعبد وقد يكون استدراجا . ومعنى الاستدراج أن يعطيه اللّه كلّ ما أراد « 2 » في الدنيا ليزداد غيّه وضلاله وجهله وعناده ، فيزداد كلّ يوم بعدا من اللّه ، وذلك لما تقرّر في العلوم العقلية أنّ تكرّر الأفعال سبب لحصول الملكة الراسخة ، فإذا مال قلب العبد إلى الدنيا ثم أعطاه اللّه مراده « 3 » فحينئذ يصل إلى المطلب ويزيد حصول اللذة والميل ، وزيادته توجب زيادة السعي ، ولا يزال تتقوى كل من هاتين الحالتين درجة فدرجة إلى أن تتكامل وتحصل غاية البعد . فصاحب الاستدراج يستأنس بذلك ويظن أنّه إنّما وجد تلك الكرامة لأنّه كان مستحقّا لها فحينئذ يستحقر غيره وينكر عليه ويحصل له أمر من مكر اللّه وغفلة ، فإذا ظهر شيء من هذه الأحوال على صاحب الكرامة دلّ ذلك على أنها استدراج ، فإنّ صاحب الكرامة لا يستأنس بها بل يصير خوفه من اللّه أشدّ وحذره من قهره أقوى ، وإن كان بحسب الواقع كرامة له . ولذا قال المحقّقون أكثر الانقطاع من حضرة اللّه تعالى إنّما وقع في مقام الكرامات ، فلا جرم ترى المحقّقين يخافون من الكرامات كما يخافون من أشدّ البلايا ، وهذا هو الفرق بين الكرامة والاستدراج . اعلم أنّ للاستدراج أسماء كثيرة في
هامش
( 1 ) هو محمد بن علي بن الطيب البصري ، المتكلم على مذهب المعتزلة . توفى سنة 436 في بغداد . وفيات الأعيان 4 / 271 . ( 2 ) طلبه ( م ، ع ) . ( 3 ) مقصوده ( م ، ع ) .