المباح وفعل غير المكلف حسن إذ لا حرج في الفعل ، والقبيح هو الحرام لا غير . وأما المكروه فلا حرج في فعله ، فينبغي أن يكون حسنا ، اللّهمّ إلّا أن يقال عدم لحوق المدح الذي في الترك حرج في الفعل فيكون قبيحا .
والحرج إن فسّر باستحقاق الذمّ يكون هذا التفسير راجعا إلى الأول ، إلّا أنه لا تتصور الواسطة بينهما حينئذ وإن فسّر باستحقاق الذم شرعا يكون راجعا إلى تفسير الأشعري ، إلا أنه لا تتصور الواسطة حينئذ أيضا ، ويكون فعل اللّه تعالى حسنا بعد ورود الشرع وقبله إذا لا حرج فيه مطلقا وأمّا على تفسير من قال الحسن ما أمر الشارع بالثناء على فاعله ، والقبيح ما أمر بذمّ فاعله ، فإنّما يكون حسنا بعد ورود الشرع لأنه تعالى أمر بالثناء على فاعله لا قبله ، إذ لا أمر حينئذ ، اللّهم إلّا أن يقال الأمر قديم ورد أو لم يرد . وهذا التفسير راجع إلى تفسير الأشعري أيضا كما لا يخفى .
اعلم أنّ فعل العبد قبل ورود الشرع حسن بمعنى ما لا حرج فيه وواسطة بينهما على تفسير الأشعري ، وهذا التفسير الأخير . وأما بعد ورود الشرع فهو إمّا حسن أو قبيح أو واسطة على جميع التفاسير . وبعض المعتزلة عرّف الحسن بما يمدح على فعله شرعا أو عقلا ، والقبيح بما يذمّ عليه فاعله . ولا شكّ أنه مساو للتعريف الأول إلّا أن يبنى التعريف الأول على مذهب الأشعري . وبعضهم عرّف الحسن بما يكون للقادر العالم بحاله أن يفعله ، والقبيح بما ليس للقادر العالم بحاله أن يفعله . القادر احتراز عن فعل العاجز والمضطرّ فإنّه لا يوصف بحسن ولا قبيح . وقيد العالم ليخرج عند فعل المجنون والمحرّمات الصادرة عمّن لم يبلغه دعوة نبي ، أو عمّن هو قريب العهد بالإسلام . والمراد بقوله أن يفعله أن يكون الإقدام عليه ملائما للعقل ، وقس عليه القبيح . فالحسن على هذا يشتمل الواجب والمندوب والمباح ، والقبيح يشتمل الحرام والمكروه ، وهو أيضا راجع إلى الأول . وبالجملة فمرجع الجميع إلى أمر واحد وهو أنّ القبيح ما يتعلّق به الذمّ والحسن ما ليس كذلك ، أو ما يتعلّق به المدح فتدبّر ولا تكن ممّن يتوهّم من اختلاف العبارات اختلاف المعبرات من أنّ المعاني للحسن والقبيح أزيد من الثلاثة .
اعلم أنّ الحسن والقبح بالمعنيين الأولين يثبتان بالعقل اتفاقا من الأشاعرة والمعتزلة .
وأما بالمعنى الثالث فقد اختلفوا فيه . وحاصل الاختلاف أنّ الأشعرية وبعض الحنفية يقولون إنّ ما أمر به فحسن وما نهي عنه فقبيح .
فالحسن والقبح من آثار الأمر والنهي .
وبالضرورة لا يمكن إدراكه قبل الشرع أصلا .
وغيرهم يقولون إنه حسن فأمر به وقبيح فنهي عنه . فالحسن والقبيح ثابتان للمأمور به والمنهي عنه في أنفسهما قبل ورود الشرع ، والأمر والنهي يدلّان عليه دلالة المقتضى على المقتضي . ثم المعتزلة يقولون إنّ جميع المأمورات بها حسنة والمنهيات عنها قبيحة في أنفسها ، والعقل يحكم بالحسن والقبح إجمالا ، وقد يطّلع على تفصيل ذلك إمّا بالضرورة أو بالنظر وقد لا يطلع . وكثير من الحنفية يقولون بالتفصيل . فبعض المأمورات والمنهيات حسنها وقبحها في أنفسها ، وبعضها بالأمر والنهي . هذا هو المذكور في أكثر الكتب . وفي الكشف نقلا عن القواطع « 1 » أنّ أكثر الحنفية والمعتزلة متفقون على القول بالتفصيل . هذا كله خلاصة ما في
هامش
( 1 ) القواطع في قواعد العقائد ذكره حاجي خليفة ، ج 2 ، ص 1357 ، ولم يذكر اسم مؤلفه .
وهناك كتاب قواطع الاسلام في الألفاظ المكفّرة لابن حجر الهيثمي أحمد بن علي المكي الشافعي ( - 974 ه ) كشف الظنون ، 4 / 241 .