تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
بعيدا من الشارع الإتيان بذلك الحكم . مثال كون العين للتعليل ما قال الأعرابي هلكت وأهلكت فقال النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم « ما ذا صنعت ؟ قال : واقعت أهلي في نهار رمضان . فقال أعتق رقبة » « 1 » الحديث فإنه يدل على أنّ الوقاع علة للاعتاق ، فإنّ غرض الأعرابي بيان حكم الوقاع ، وذكر الحكم جواب له ليحصل غرضه لئلّا يلزم إخلاء السؤال عن الجواب وتأخير البيان عن وقت الحاجة فيكون السؤال مقدرا في الجواب كأنه قال : واقعت فكفّر . ولا شك أن الفاء للتعليل ، فيحمل عليه . والاحتمال البعيد عدم قصد الجواب كما يقول العبد : طلعت الشمس فيقول السّيد اسقني ماء ، فإنّ ذلك وإن بعد لكنه ليس بممتنع . واعلم أن مثل ذلك إذا أخذ عنه بعض الأوصاف وعلل بالباقي سمّي تنقيح المناط . مثاله في قصة الأعرابي أن يقال كونه أعرابيا لا مدخل له في العلّة ، إذ الهندي أيضا كذلك ، وكذا كون المحل أهلا فإن الزنا أيضا أجدر به ، أو يقال وكونه وقاعا لا مدخل له فبقي كونه إفسادا للصوم فهو العلة . ومثال كون النظير للتعليل قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم « وقد سألته الخثعمية أنّ أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج فإن حججت عنه أينفعه ذلك فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته كان ينفعه ذلك قالت نعم قال فدين اللّه أحق بأن يقضى » « 2 » . سألته الخثعمية عن دين اللّه فذكر نظيره وهو دين الآدمي . فنبّه على التعليل به أي كونه علّة للنفع وإلّا لزم العبث ، ففهم منه أن نظيره في المسؤول عنه وهو دين اللّه كذلك علّة بمثل ذلك الحكم وهو النفع . واعلم أنّ مثل هذا يسميه الأصوليون تنبيها على أصل القياس ، وفيه كما ترى تنبيه على أصل القياس وعلى علّة الحكم فيه وعلى صحة إلحاق الفرع بها . اعلم أنّ من مراتب الإيماء أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا له مثل قوله « لا يقضي القاضي وهو غضبان » « 3 » ، فإن فيه إيماء إلى أنّ الغضب علّة عدم جواز الحكم لأنه مشوش للمنظر وموجب للاضطراب ، ومثل أكرم العلماء وأهن الجهّال . هذا إذا ذكر الوصف والحكم كلاهما فإنه إيماء بالاتفاق فإن ذكر أحدهما فقط مثل أن يذكر الوصف صريحا والحكم مستنبط نحو
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
« 4 » فإن حل البيع وصف له قد ذكر فعلم منه حكمه وهو الصحة ، أو أن يذكر الحكم والوصف مستنبط ، وذلك كثير منه نحو حرمت الخمر فقد اختلف في أنه هل يكون إيماء ، فهو على مذاهب . أحدها كلاهما إيماء . والثاني ليس
هامش
( 1 ) اخرجه البخاري في صحيحه ، 3 / 318 ، عن أبي هريره ، كتاب الهبة ، باب إذا وهب هبة ، الحديث رقم 34 ، وأخرجه أيضا عن أبي هريره ، 8 / 259 ، كتاب كفارات الإيمان ، باب من أعان المعسر ، الحديث رقم 3 ، وأخرجه مسلم في صحيحه ، 2 / 781 ، عن أبي هريره ، كتاب الصيام ( 13 ) ، باب تغليط تحريم الجماع . . . ( 14 ) ، الحديث رقم 81 / 1111 ، أوله قال : جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال هلكت يا رسول اللّه ! قال : وما أهلكك ؟ قال : وقعت على امرأتي في رمضان . ( 2 ) اخرجه مسلم في صحيحه 2 / 804 ، عن ابن عباس ، كتاب الصيام 13 ، باب قضاء الصيام عن الميت 27 ، رقم 156 . ( 3 ) اخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ، 1 / 147 ، وأخرجه النسائي في سننه ، 8 / 247 ، عن أبي بكرة ، باب النهي عن أن يقضي في قضاء ( 32 ) ؛ وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ، 10 / 105 ، عن أبي بكرة ، كتاب آداب القاضي ، باب لا يقضي وهو غضبان ، بزيادة : بين اثنين ، واخرجه مسلم في صحيحه ، 3 / 1343 ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، كتاب الأقضية ( 30 ) ، باب نزاهة قضاء القاضي . . ( 7 ) الحديث رقم 16 / 1717 ، بلفظ : « لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان » ( 4 ) البقرة / 275 .