الاختلاف الواقع بين غير القضيتين ، وتقييده بالايجاب والسلب يخرج الاختلاف بالاتصال والانفصال والكلّية والجزئية والعدول والتحصيل . وقولنا بحيث يقتضي يخرج الاختلاف بالايجاب والسلب بحيث لا يقتضي صدق إحداهما وكذب الأخرى نحو زيد ساكن وزيد ليس بمتحرك . وقولنا لذاته أي صورته يخرج الاختلاف الواقع بالايجاب والسلب بحيث يقتضي صدق أحدهما وكذب الأخرى لكن لا لذات الاختلاف بل بخصوصية المادة ، كما في إيجاب الشيء وسلب لازمه المساوي نحو زيد إنسان وزيد ليس بناطق ، لا يقال أمثال هذا الاختلاف خرجت بقيد الايجاب والسلب لأنها اختلافات بغير الايجاب والسلب فيكون قيد لذاته مستدركا ، لأنّا نقول كل قيد قيد به تعريف إنما يخرج ما ينافي ذلك لا ما يغايره ، وإلّا لم يمكن إيراد قيدين في تعريف فإنه لو أورد قيدان أخرج كلّ منهما الآخر يلزم جمع متنافيين في تعريف وأنه محال . وأيضا لو أخرج هذا القيد كل اختلاف بغير الإيجاب والسلب خرج عن التعريف الاختلاف في الكمّ والجهة الذي هو شرط ، وبطلانه ظاهر .
ثم إنه ربما يقع في عباراتهم اختلاف القضيتين بحيث يقتضي لذاته صدق إحداهما كذب الأخرى ، وحينئذ يكون لذاته عائدا إلى الصدق لا إلى الاختلاف ، إذ لا معنى له . ويرد عليه الكليتان كقولنا كل ج ب ولا شيء من ج ب ، فإن صدق الأول يقتضي كذب الثاني وبالعكس . ويمكن أن يجاب عنه بأنّ اقتضاء صدق إحدى الكليتين كذب الأخرى لا لذاته بل بواسطة إهمالها على نقيض ، يعني كلّ كلية من الإيجاب والسلب يشتمل الجزئية من جنسه .
فالموجبة الكلية مشتملة على نقيض السالبة الكلية وهو الموجبة الجزئية الأخرى فقد رجع العبارتان إلى معنى واحد . قيل لا يصح التعريف لأنّ سلب السلب نقيض السلب ، وليسا مختلفين بالإيجاب والسلب فلا يكون التناقض منحصرا بين الإيجاب والسلب ، وأيضا فعلى هذا يلزم أن يكون للسلب نقيضان الإيجاب وسلب السلب .
وأجاب عنه المحقق الدواني أنّ السلب إن أخذ بمعنى رفع الإيجاب فنقيضه الإيجاب فليس سلب السلب نقيضا له لأنه في قوة السالبة السالبة المحمول وهي لا تكون نقيضا للسالبة ، وإن أخذ بمعنى ثبوت السلب يكون في قوة الموجبة السالبة المحمول فيكون نقيضه سلب السلب الذي هو في قوة السالبة السالبة المحمول ، ولا يكون الإيجاب نقيضا له . فعلى هذا لا يلزم أن يكون للسلب نقيضان بل لكل اعتبار نقيض ويكون التناقض منحصرا بين الإيجاب والسلب . وقال مولانا عبد الحكيم في حاشية القطبي : لا يشتبه على عاقل أنّ النسبة بين الشيئين في نفس الأمر إمّا بالثبوت أو بالسلب لأنّ التصديق بأنّ الشيء إمّا أن يكون أو لا يكون بديهي وليّ ، وليس في نفس الأمر النسبة بين شيئين هي سلب السلب إنّما هو مجرد اعتبار عقل وتعبير عن النسبة الإيجابية بما يلازمه ، فلا مغايرة بين الإيجاب وسلب السلب في نفس الأمر لاتحادهما فيما صدقا عليه ، إنما هي في العقل ، فلا يلزم أن يكون لشيء واحد نقيضان ، وأن لا يكون التناقض منحصرا بينهما .
فعلى هذا معنى قولهم نقيض كل شيء رفعه أنّ نقيض كل شيء وجودي أي ما لا يكون مفهومه سلب شيء رفعه . وإذا كان الرفع نقيضا له يكون ذلك الشيء الوجودي أيضا نقيضا له ، وهذا هو المستفاد من تعريف التناقض لأنّ الاختلاف بالايجاب والسلب الذي يقتضي لذاته صدق أحدهما وكذب الأخرى إنما يتحقق إذا كان السلب رفعا لذلك الايجاب بعينه لانتفاء الواسطة بينهما حينئذ ، وكون التنافي بينهما بالذات .
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 515
مساهمون: محمد علي التهانوي
ص٥١٥