الحلم والرّشد على الترتيب لأنّ الحلم يناسب العبادات والرشد يناسب الأموال . وقوله
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
« 1 » فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر ، والخبر يناسب ما يدركه . وقوله
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
« 2 » إلى قوله
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
« 3 » فإنّ في هذه الفاصلة التمكين التام المناسب لما قبلها . وقد بادر بعض الصحابة حين نزل أول الآية إلى ختمها بها قبل أن يسمع آخرها . ومن بديع هذا النوع اختلاف الفاصلتين في موضعين والمحدّث عنه واحد لنكتة لطيفة كقوله تعالى في سورة إبراهيم
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
« 4 » . ثم قال في سورة النحل
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
« 5 » قال ابن المنير « 6 » كأنّه يقول إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت آخذها وأنا معطيها ، فحصل لك عند أخذها وصفان : كونك ظلوما وكونك كفارا ، يعني لعدم وفائك بشكرها ، ولي عند إعطائها وصفان : وهما أني غفور رحيم أقابل ظلمك بغفراني وكفرك برحمتي ، فلا أقابل تقصيرك إلّا بالتوفير ولا أجازي جفاك إلّا بالوفاء ، كذا في الإتقان في نوع الفواصل .
التّمليح :
[ في الانكليزية ]
Fine stoke of inspiration ( in poetry )
[ في الفرنسية ]
Bonne trouvaille ( en poesie )
لم يفرّق البعض بينه وبين التلميح المذكور سابقا والحقّ الفرق كما سبق .
التّمنّي :
[ في الانكليزية ]
Wish
[ في الفرنسية ]
Souhait
هو عند أهل العربية يطلق على طلب حصول الشيء على سبيل المحبة ، وعلى الكلام الدالّ على هذا الطلب . وهو بهذا المعنى من أقسام الإنشاء . قيل ينبغي أن يقيّد المحبة بالمجرّدة عن الطمع والتوقع عن الأوامر والنواهي والنداءات التي قد وجدت المحبة فيها . وقيل قيد الحيثية المرادة يكفي في اندفاع النقض بها . قيل لا يشترط إمكان المطلوب في شيء من أقسام الطلب سوى التمني بل يكفي زعم إمكانه ، وأمّا في التمنّي فلا يشترط زعم الإمكان أيضا ، بل يصحّ مع العلم بامتناعه واستحالته . فإن قيل كما لا يشترط إمكان المتمنّى كذلك لا يشترط امتناعه أيضا ، فلم خصّ الإمكان بالنفي ؟ قيل لأنّه يتبادر الوهم إلى اشتراط إمكانه لما تقرر أنّه لا يصحّ طلب المحال ، وعدم تمييز الوهم بين طلب على وجه التمني وطلب لا على وجه التمني . ولذا قيل نوزع في تسمية تمنّي المحال طلبا بأنّ ما لا يتوقع كيف يطلب . قال السكاكي إذا كان المتمنى ممكنا يجب أن لا يكون لك طمع وتوقع في وقوعه ، وإلّا لصار ترجّيا ، وفيه بحث لأنّه لا طلب في الترجّي وإنّما هو طمع وترقّب . فإذا كان طلب المرجو على سبيل المحبة كان هناك تمنّ وترجّ ، فإذا أتي بليت فقد أفيد التمنّي دون الترجّي ، وإذا أتي بلعلّ فقد أفيد الترجّي . هكذا يستفاد من المطول وحواشيه والأطول .
هامش
( 1 ) الانعام / 103 .
( 2 ) المؤمنون / 12 .
( 3 ) المؤمنون / 14 .
( 4 ) إبراهيم / 34 .
( 5 ) النحل / 18 .
( 6 ) هو عبد الواحد بن منصور بن محمد بن المنير ، أبو محمد ، فخر الدين الإسكندري المالكي . ولد عام 651 ه / 1253 م .
وتوفي بالإسكندرية عام 733 ه / 1333 م . مفسّر . له شعر ونظم وبعض المؤلفات . الاعلام 4 / 177 ، البداية والنهاية 14 / 163 ، الدرر الكامنة 2 / 422 .