قيل الضمير إما أن يرجع إلى كل أو إلى شيء ، وعلى التقديرين يفسد المعنى إذ الترتيب ليس وضع كلّ شيء في مرتبة كلّ شيء ولا في مرتبة شيء ما ، وقد تحيّر الناظرون في حلّه .
والجواب أنّه ذكر الرضي في بحث المعرفة أنّ الضمير الراجع إلى النكرة المذكورة التي لا يحكم سابقا عليها معرفة لصيرورته معهودا به فيختار أنّ الضمير راجع إلى كل شيء ، والمعنى وضع كل شيء من الأشياء في مرتبة كلّ شيء يتعلق به الوضع . ولا شكّ أنّ الأوضاع متعدّدة بحسب تعدّد الأشياء ، ولكل واحد منها مرتبة مختصّة به عند الوضع ليس لغيره ، فاندفع المحذور ، وصار مآل المعنى ما في التاج « 1 » :
الترتيب نهادن جيزيراپس جيزي ديكر . والأظهر أن يقال وضع شيء بعد شيء إلّا أنّه زاد لفظ كلّ إشارة إلى أنّ الترتيب اللغوي إنّما يتحقّق إذا وضع كل شيء منها في موضعه ، حتى لو انتفى في شيء منها انتفى الترتيب . فاندفع ما قيل إنّ هذا التعريف يقتضي الترتيب بحسب تعدد الأشياء الموضوعة ، كذا ذكر المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح الشمسية في تعريف الفكر في مبحث ليس الكل من كلّ من التصوّر والتصديق بديهيّا ولا نظريّا .
وفي الاصطلاح كما وقع في شرح الشمسية جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد ويكون لبعضها نسبة إلى بعض بالتقديم والتأخير . وذكر أحمد جند « 2 » في حاشيته « 3 » أنّ هذا المعنى عرفي إذ في كونه من مصطلحات العلوم تردّد انتهى . وفي التعريف إشارة إلى بقاء تعدّدها حال الترتيب ، فإذا جعل الماء الذي في الإنائين في إناء واحد لا يكون ذلك ترتيبا ، ولذلك لا يكون التركيب من الأجزاء المحمولة عند من قال بوجود الكلّي في الخارج ترتيبا . وقولهم بحيث يطلق عليها اسم الواحد أي يطلق عليها هذا الاسم بوجه ما لا من كلّ وجه ، إذ لا يتصوّر ذلك في الأشياء الكثيرة إذ لا تعرض لها الوحدة باعتبار ذواتها ، لأنها بهذا الاعتبار معروضة للكثرة وإنّما تعرض لها الوحدة باعتبار عروض الهيئة الوحدانية لها ، والوحدة من كل وجه إنّما تعرض للبسيط من كل وجه . ولئن تصوّر ذلك فليس بواجب في الترتيب ، سواء كان ذلك المجموع واحدا حقيقيّا بأن يصير بحيث لا يبقى بين الأجزاء تمايز في الوجود أو غير حقيقي بل اعتباريّا بأن لا تصير هذه الحيثية . وقولهم ويكون لبعضها إلخ أي بحيث يمكن الإشارة حسّا أو عقلا إلى كلّ واحد من الأجزاء بأنّه أين هو من صاحبه ، يخرج الواحد الحقيقي من التعريف ، إذ الظاهر أنّ الضمير في بعضها راجع إلى الأشياء المجعولة بالحيثية المذكورة ، والأشياء المجعولة بحيث يطلق عليها الواحد الحقيقي لا تكون لبعضها نسبة إلى البعض بالتقديم والتأخير بعد
هامش
( 1 ) تاج المصادر في اللغة لأبي جعفر أحمد بن علي المعروف بجعفر البيهقي ( - 440 ه ) . كشف الظنون ! / 269 .
( 2 ) وقيل أحمد جندي ، ولم نعثر على هذا الاسم في الفهارس والكشافات ، إنما عثرنا على ما ورد في الفقرة التالية والمتعلّق بالحاشية .
( 3 ) الشمسية : متن مختصر في المنطق لنجم الدين عمر بن علي القزويني المعروف بالكاتبي ( - 693 ه أو 675 ه ) ألفها لخواجه شمس الدين محمد وسمّاه بالنسبة إليه . شرحها قطب الدين محمد بن محمد التمتاني ( - 766 ه ) وعلى هذا الشرح حاشية لعلي بن محمد الجرجاني ( - 816 ه ) وهي التي يقال لها حاشية كوجك وعلى هذه الحاشية حواشي كثيرة ، إلا أن منها اثنتان لمؤلف يدعى احمد وهما : حاشية لقرجهأحمد ( - 854 ه ) . حاشية لأحمد بن عثمان التركماني الجوزجاني ( - 844 ه ) كشف الظنون ، 4 / 1063 - 1064 .