تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
المعنى فيكون المعنى : الحرف ما دلّ على معنى في غيره لا في نفسه بمعنى أنه غير تام في نفسه ، أي لا يحصل ذلك المعنى من اللّفظ إلّا بانضمام شيء إليه ، فمرجع هذين التوجهين إلى أمر واحد أيضا ، وهو أن لا يستقل بالمفهومية . ثم المعنى قد يكون إفراديا هو مدلول اللّفظ بانفراده وقد يكون تركيبيا يحصل منه عند التركيب فيضاف أيضا إلى اللّفظ ، وإن كان معنى اللّفظ عند الإطلاق هو الإفرادي ، ويشترك الاسم والفعل والحرف في أن معانيها التركيبية لا تحصل إلّا بذكر ما يتعلّق به من أجزاء الكلام ، ككون الاسم فاعلا وكون الفعل مسندا مثلا مشروط بذكر متعلّقه ، بخلاف الحرف ، فإنّ معناه الإفرادي أيضا لا يحصل بدون ذكر المتعلق . وتحقيق ذلك أن نسبة البصيرة إلى مدركاتها كنسبة البصر إلى مبصراته . وأنت إذا نظرت في المرآة وشاهدت صورة فيها فلك ، هناك حالتان : إحداهما أن تكون متوجها إلى تلك الصورة مشاهدا إياها قصدا جاعلا للمرآة حينئذ آلة في مشاهدتها ، ولا شك أن المرآة حينئذ مبصرة في هذه الحالة لكنها ليست بحيث تقدر بإبصارها على هذا الوجه أن تحكم عليها وتلتفت إلى أحوالها . والثانية أن تتوجّه إلى المرآة نفسها وتلاحظها قصدا فتكون صالحة لأن تحكم عليها ، وحينئذ تكون الصورة مشاهدة تبعا غير ملتفت إليها ، فظهر أن في المبصرات ما يكون تارة مبصرا بالذات وأخرى آلة لإبصار الغير ، واستوضح ذلك من قولك قام زيد . ونسبة القيام إلى زيد إذ لا شك أنك مدرك فيهما نسبة القيام إلى زيد ، إلّا أنها في الأول مدركة من حيث أنها حالة بين زيد والقيام وآلة لتعرف حالهما فكأنها مرآة تشاهدهما بها مرتبطا أحدهما بالآخر ، ولهذا لا يمكنك أن تحكم عليها أو بها ما دامت مدركة على هذا الوجه . وفي الثاني مدركة بالقصد ملحوظة في ذاتها بحيث يمكنك أن تحكم عليها وبها ؛ فعلى الوجه الأول معنى غير مستقل بالمفهومية ، وعلى الثاني معنى مستقل بها . وكما يحتاج إلى التعبير عن المعاني الملحوظة بالذات المستقلة بالمفهومية يحتاج إلى التعبير عن المعاني الملحوظة بالغير التي لا تستقل بالمفهومية . إذا تمهّد هذا فاعلم أنّ الابتداء مثلا معنى هو حالة لغيره ومتعلّق به ، فإذا لاحظه العقل قصدا وبالذات كان معنى مستقلا بنفسه ملحوظا في ذاته صالحا لأن يحكم عليه وبه ، ويلزمه إدراك متعلّقه إجمالا وتبعا ، وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظ الابتداء ، ولك بعد ملاحظته على هذا الوجه أن تقيده بمتعلق مخصوص ، فتقول مثلا ابتداء سير البصرة ولا يخرجه ذلك عن الاستقلال وصلاحية الحكم عليه وبه وعلى هذا القياس الأسماء اللازمة الإضافة كذو وأولو « 1 » وفوق وتحت ، وإذا لاحظه العقل من حيث هو حالة بين السير والبصرة وجعله آلة لتعرف حالهما كان معنى غير مستقل بنفسه ، ولا يصلح أن يكون محكوما عليه ولا محكوما به ، وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظ من . وهذا معنى ما قيل إنّ الحرف وضع باعتبار معنى عام وهو نوع من النسبة كالابتداء مثلا لكل ابتداء مخصوص معيّن النسبة لا تتعين إلّا بالمنسوب إليه ، فما لم يذكر متعلق الحرف لا يتحصّل فرد من ذلك النوع هو مدلول الحرف ، لا في العقل ، وهو الظاهر ، ولا في الخارج لأنّ مدلول الحرف فرد مخصوص من ذلك النوع ، أعني ما هو آلة لملاحظة طرفيه ولا شك أنّ تحقق هذا الفرد في الخارج يتوقف على ذكر المتعلق .
هامش
( 1 ) ألو ( - م ) .
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 186 | محمد علي التهانوي