أسدا يرمي ، أو خاصيّة وهي الغريبة أي البعيدة عن العامة . والغرابة قد تحصل في نفس الشّبه كما في قول يزيد بن مسلمة « 1 » يصف فرسا بأنّه مؤدّب وأنّه إذا نزل عنه صاحبه وألقى عنانه في قربوس سرجه أي مقدّم سرجه وقف على مكانه حتى يعود إليه . قال الشاعر :
وإذا احتبى قربوسه بعنانه * علك الشكيم إلى انصراف الزائر
علك أي مضغ والشكيم اللّجام ، وأراد بالزائر نفسه ، فاستعار الاحتباء وهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب أو غيره لوقوع العنان في قربوس السّرج ، فصارت الاستعارة غريبة لغرابة التشبيه . وقد تحصل الغرابة بتصرّف في العامّية نحو قوله :
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا * وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
والأباطح جمع أبطح وهو مسيل الماء فيه دقاق الحصى ، أي أخذت المطايا في سرعة المضي . استعار سيلان السيول الواقعة في الأباطح لسير الإبل سيرا سريعا في غاية السرعة المشتملة على لين وسلاسة ، والتشبيه فيها ظاهر عامي ، وهو السرعة لكن قد تصرف فيه بما أفاده اللطف والغرابة ، إذ أسند سالت إلى الأباطح دون المطيّ وأعناقها حتى أفاد أنه امتلأت الأباطح من الإبل ، وأدخل الأعناق في السير حيث جعلت الأباطح سائلة مع الأعناق ، فجعل الأعناق سائرة إشارة إلى أنّ سرعة سير الإبل وبطؤه إنما يظهران غالبا في الأعناق .
الثالث باعتبار الثلاثة ، أي المستعار منه والمستعار له والجامع إلى خمسة أقسام :
الأول استعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس نحو :
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
« 2 » فالمستعار منه هو النار ، والمستعار له هو الشيب ، والوجه أي الجامع هو الانبساط الذي هو في النار أقوى ، والجميع حسّي ، والقرينة هو الاشتعال الذي هو من خواص النار ، وهو أبلغ مما لو قيل : اشتعل شيب الرأس لإفادته عموم الشيب لجميع الرأس .
والثاني استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي ، نحو :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
« 3 » فالمستعار منه السّلخ الذي هو كشط الجلد عن نحو الشاة ، والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل وهما حسّيان ، والجامع ما يعقل من ترتّب أمر على آخر ، كترتّب ظهور اللحم على الكسط وترتّب ظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل ، والترتّب أمر عقلي ؛ قال ابن أبي الإصبع : هي ألطف من الأولى .
والثالث استعارة معقول لمعقول بوجه عقلي ؛ قال ابن أبي الإصبع : هي ألطف الاستعارات نحو :
مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا
« 4 » فإن المستعار منه الرقاد أي النوم والمستعار له الموت والجامع عدم ظهور الفعل ، والكلّ عقلي .
الرابع استعارة محسوس لمعقول بوجه عقلي نحو :
مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ
استعير المسّ وهو صفة في الأجسام وهو محسوس لمقاساة الشّدّة ، والجامع اللحوق ، وهما
هامش
( 1 ) هو يزيد بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ، أبو مكشوح ، المعروف بابن الطثرية متوفى 126 ه / 744 م . شاعر مطبوع ظريف ، عفيف ، حسن الوجه والشعر ، من شعراء الأمويين . جمع شعره في ديوان .
الأعلام 8 / 183 ، معجم الأدباء 20 / 46 ، وفيات الأعيان 2 / 299 ، الشعر والشعراء 392 ، طبقات الشعراء 150 ، الأغاني 8 / 155 .
( 2 ) مريم / 4 .
( 3 ) يس / 37 .
( 4 ) يس / 52 .