تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
الجرأة وتلك القوة ، لكن لا في تلك الجثة والهيكل المخصوص ، ولفظ الأسد إنما هو موضوع للمتعارف ، فاستعماله في غير المتعارف استعمال في غير ما وضع له ، كذا في المطول . وقال صاحب الأطول : ويمكن أن يقال : إذا قلت : رأيت أسدا وحكمت برؤية رجل شجاع يمكن فيه طريقان : أحدهما أن يجعل الأسد مستعارا لمفهوم الرجل الشجاع ، والثاني أن يستعمل فيما وضع له الأسد ويجعل مفهوم الأسد آلة لملاحظة الرجل الشجاع ، ويعتبر تجوّزا عقليا في التركيب التقييدي الحاصل من جعل مفهوم الأسد عنوانا للرجل الشجاع ، فيكون التركيب بين الرجل الشجاع ومفهوم الأسد مبنيا على التجوّز العقلي ، فلا يكون هناك مجاز لغوي . ألا ترى أنه لا تجوّز لغة في قولنا : لي نهار صائم فقد حقّ القول بأنه مجاز عقلي ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

فائدة :

الاستعارة تفارق الكذب بوجهين : بالبناء على التأويل ، وبنصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر .

التقسيم

للاستعارة تقسيمات باعتبارات : الأول باعتبار الطرفين أي المستعار منه والمستعار له إلى وفاقية وعنادية ، لأن اجتماع الطرفين في شيء إمّا ممكن وتسمّى وفاقية لما بين الطرفين من الموافقة نحو أحييناه في قوله تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
« 1 » أي ضالّا فهديناه ، استعار الإحياء من معناه الحقيقي وهو جعل الشيء حيّا للهداية التي هي الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب ؛ والإحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما في شيء . وإمّا ممتنع وتسمّى عنادية لتعاند الطرفين كاستعارة الميّت في الآية للضالّ إذ لا يجتمع الموت مع الضلال . ومنها أي من العنادية التهكّمية والتمليحية ، وهما الاستعارة التي استعملت في ضدّ معناها الحقيقي أو نقيضه تنزيلا للتضادّ والتناقض منزلة التناسب بواسطة تمليح أو تهكّم نحو :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
« 2 » أي أنذرهم ، استعيرت البشارة التي هي الإخبار بما يظهر سرورا في المخبر به للإنذار الذي هو ضدّها بإدخال الإنذار في جنس البشارة على سبيل التهكّم ، وكذا قولك : رأيت أسدا وأنت تريد جبانا على سبيل التمليح والظرافة . والاستهزاء الثاني باعتبار الجامع إلى قسمين لأن الجامع إمّا غير داخل في مفهوم الطرفين كما في استعارة الأسد للرجل الشجاع ، فإن الشجاعة خارجة عن مفهوم الطرفين ، وإمّا داخل في مفهوم الطرفين نحو قوله عليه السلام : « خير الناس رجل يمسك بعنان فرسه كلّما سمع هيعة طار إليها ، أو رجل في شعفة في غنيمة له يعبد اللّه حتى يأتيه الموت » « 3 » . الهيعة الصوت المهيب ، والشّعفة رأس الجبل . والمعنى خير الناس رجل أخذ بعنان فرسه واستعدّ للجهاد ، أو رجل اعتزل الناس وسكن في رأس جبل في غنم له قليل يرعاها ويكتفي بها في أمر معاشه ويعبد اللّه حتى يأتيه الموت . استعار الطّيران للعدو والجامع وهو قطع المسافة بسرعة داخل في مفهومهما . وأيضا باعتبار الجامع إمّا عامّية وهي المبتذلة لظهور الجامع فيها نحو : رأيت
هامش
( 1 ) الانعام / 122 . ( 2 ) آل عمران / 21 . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند ، 2 / 396 ، عن أبي هريرة بلفظ : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ألا أخبركم بخير البرية ، قالوا بلى يا رسول اللّه ، قال : رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل اللّه عز وجلّ ، كلّما كان هيعة استوى عليه . ألا أخبركم بالذي يليه ، قالوا بلى : رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة . ألا أخبركم بشر البرية ، قالوا بلى ، قال : الذي يسأل باللّه ولا يعطي به .
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 159 | محمد علي التهانوي