فالتعريف المأخوذ به هو الأول ، أي نفي الأعم لأنه أخصّ ، هكذا في العضدي وحاشيته للمحقق التفتازاني . وبالجملة فالاستدلال في عرفهم يطلق على إقامة الدليل مطلقا وعلى إقامة دليل خاصّ ، فقيل هو ما ليس بنصّ ولا إجماع ولا قياس ، وهو المأخوذ به ، وقيل هو ما ليس بنصّ ولا إجماع ولا قياس علته .
ثم في العضدي وحاشيته المذكورة ما حاصله أن الفقهاء كثيرا ما يقولون وجد السّبب فيوجد الحكم أو وجد المانع أو فقد الشرط فيعدم الحكم . فقيل هذا ليس بدليل إنما هو دعوى دليل ، فهو بمثابة قوله وجد دليل الحكم فيوجد الحكم ولا يكون دليلا ما لم يعيّن ، وإنما الدليل ما يستلزم الحكم وهو وجود السبب الخاص أو وجود المانع أو عدم الشرط المخصوص . وقيل هو دليل إذ لا معنى للدليل إلّا ما يلزم من العلم به العلم بالمدلول ، وقولنا وجد السبب فوجد الحكم ونحوه بحيث يلزم من العلم به العلم بالمدلول ، غاية ما في الباب أن إحدى مقدمتيه وهو أنه وجد السبب يفتقر إلى بيان ، والقائلون بأنه دليل اختلفوا ، فقيل هو استدلال مطلقا لأنه غير النصّ والإجماع والقياس . وقيل هو استدلال إن ثبت وجود السبب أو المانع أو فقد الشرط بغير هذه الثلاثة ، وإلّا فهو من قبيل ما ثبت به وليس باستدلال ، بل نصّ إن ثبت به وإجماع إن ثبت به وقياس إن ثبت به ، وهذا هو المختار ، لأن حقيقة هذا الدليل هو أنّ هذا حكم وجد سببه ، وكلّ حكم وجد سببه فهو موجود ، والكبرى بيّنة فيكون مثبت الحكم هو ما ثبت به الصغرى ، فإن كان غير النصّ والإجماع والقياس كان مثبت الحكم غيرها ، فيكون استدلالا ، وإن كان أحدها كان هو مثبت الحكم فلم يكن استدلالا .
اعلم أنّه اختلف في أنواع الاستدلال ، والمختار أنه ثلاثة : الأول التلازم بين الحكمين من غير تعيين علّة وإلّا كان قياسا ، وحاصله الأقيسة الاستثنائية . والثاني استصحاب الحال .
والثالث شرع من قبلنا . وقالت الحنفية والاستحسان أيضا . وقالت المالكية والمصالح المرسلة أيضا . وقال قوم انتفاء الحكم لانتفاء مدركه . ونفى قوم شرع من قبلنا . وقوم الاستصحاب . وقال الآمدي منها قولهم وجد السبب أو المانع أو فقد الشرط ، ومنها انتفاء الحكم لانتفاء مدركه ، ومنها الدليل المؤلّف من أقوال يلزم من تسليمها لذاتها قول آخر ، ثم قسّمه إلى الاقتراني والاستثنائي ، وذكر الأشكال الأربعة وشروطها وضروبها والاستثنائي بقسميه والمنفصل بأقسامه الثلاثة ، ثم قال : ومنها استصحاب الحال ، انتهى .
ثم اعلم أنّه قد عرّف الاستدلال في شرح العقائد بالنظر في الدليل سواء كان استدلالا من العلّة على المعلول أو من المعلول على العلّة ، وقد يخصّ الأول باسم التعليل والثاني باسم الاستدلال . وقال المولوي عصام الدين في حاشية شرح العقائد : والأولى أن يفسّر بإقامة الدليل ليشتمل ما يتعلّق بالدليل ، بمعنى قول مؤلّف من قضايا يستلزم لذاته قولا آخر ، فإنه ليس الاستدلال به النظر في الدليل ، انتهى .
وبالجملة فتعريفه بالنظر في الدليل يختص بمذهب الأصوليين والمتكلّمين ، وتعريفه بإقامة الدليل يشتمل مذهب المنطقيين أيضا .
وفي كشف البزدوي : الاستدلال هو انتقال الذهن من الأثر إلى المؤثّر وقيل بالعكس . وقيل مطلقا ، وبهذا المعنى قيل : الاستدلال بعبارة النصّ وإشارة النصّ ودلالة النصّ واقتضاء النصّ ، انتهى ؛ إذ النص علّة ومؤثّر وأثره ومعلوله الحكم كما لا يخفى ، وبالنظر إلى المعنى الأول وقع في الرشيدية « 1 » أن المدعي إن
هامش
( 1 ) الرشيدية لعبد الرشيد بن مصطفى شمس الحق الجانبوري ( - 1083 ه ) وهي شرح لرسالة الشريف الجرجاني في آداب