تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
والشّر ، كأنّه طير إليه من عشّ الغيب ووكر القدر لمّا كانوا يتيمّنون ويتشاءمون بسنوح الطائر وبروجه ، استعير لما هو سبب الخير والشّر من قدر اللّه وعمل العبد . وقالوا : إنّ لزومه في عنق الإنسان أنّه لازم له لزوم الطّوق في عنقه ، وأنّه سبب لزينه أو شينه كالقلادة والغلّ . ثمّ إنّ هذا المعنى الذي ذكرنا للكتاب ، وإن كان هو الظّاهر من الشرع وذهب إليه العلماء ، إلّا أنّ بعضا منهم قد أوّله أيضا على وجه آخر . قال البيضاويّ في قوله تعالى :
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ) )
« 1 » : « إنّ الكتاب صحيفة عمله أو نفسه المنتقشة بآثار أعماله ، فإنّ الأفعال الاختياريّة تحدث في النّفس أحوالا ، ولذلك يعيد تكرّرها لها ملكات » « 2 » ، انتهى . وقال صدر الأفاضل في « الشواهد » : « الإشراق التاسع في نشر الكتب والصحائف . كلّ ما يدركه الإنسان بحواسّه يرتفع منها أثر إلى الروح ويجتمع في صحيفة ذاته وخزانة مدركاته ، وهو كتاب منطو اليوم عن مشاهدة الأبصار ، فيكشف له بالموت ما يغيب عنه في حال الحياة ممّا كان مسطورا في كتاب لا يجلّيها إلّا لوقتها ، وقد مرّ أنّ رسوخ الهيئات وتأكّد الصّفات ، وهو المسمّى عند أهل الحكمة بالملكة ، وعند أهل النّبوة والكشف بالملك والشيطان يوجب خلود الثّواب والعقاب . . . فكلّ من فعل مثقال ذرّة من خير أو شرّ يرى أثره مكتوبا في صحيفة ذاته أو صحيفة أعلى منها ، وهو نشر الصّحائف وبسط الكتب ، فإذا حان أن يقع بصره على وجه ذاته عند كشف غطاء ورفع شواغل ما يورده هذه الحواسّ المعبّر عنه بقوله تعالى :
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ) )
« 3 » فيلتفت إلى صحيفة باطنه وصحيفة قلبه ، فمن كان في غفلة عن ذاته وحساب سرّه يقول عند ذلك :
ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) )
« 4 » ، ومنشأ ذلك كما مرّ مرارا ، أنّ الدّار الآخرة هي دار الحياة
هامش
( 1 ) - الإسراء ( 17 ) : 13 . ( 2 ) - تفسير البيضاويّ 3 / 198 ، وفي لفظه : هي صحيفة عمله . . . فإنّ الأعمال . . . لذلك يفيد تكريرها . . . ( 3 ) - التكوير ( 81 ) : 10 . ( 4 ) - الكهف ( 18 ) : 49 .