وانفسخت .
ومن المحال أيضا ما قاله المتشكّك من ارتداد الشيء إلى ذاته ، فإنّ الشيء لا يغيب البتّة « 2 » من ذاته ، بل ربّما قيل « 3 » يغيب عن أفعال تخصّ « 4 » بذاته ، وتتمّ بذاته وحدها ، وإنّما يتوسّع فيقال هذا لأنّ هذه الأفعال لا تكون موجودة له ، بل لا تكون موجودة أصلا . وأمّا ذاته فكيف تكون غير موجودة لنفسها وبالحقيقة ، فإنّ أفعاله لا يجوز أن يقال فيه « 5 » إنّه يغيب عنها ، لأنّ الغائب هو موجود في نفسه غير موجود للشيء ، وهذه الأفعال ليست موجودة أصلا إلّا وقت ما يوجدها ، فلا يكون غائبا عنها ، وأمّا ذات الشيء فلا يغيب الشيء عنه ولا يرجع إليه .
وأمّا أصحاب الذّكر « 6 » فقد نقض احتجاجهم في الصناعة الآليّة » . - انتهى كلامه -
وأقول : قوله : وأمّا أصحاب الذّكر - إلى آخره - كأنّه إشارة إلى ما تقرّر في علم المنطق من أنّ المطلوب المجهول الذي يراد تحصيله بالنظر ، يجب أن يكون معلوما بوجه حتّى لا يكون طالبه طالبا للمجهول مطلقا ، وأن يكون مجهولا من وجه آخر ، حتّى لا يكون تحصيله تحصيلا للحاصل ، وأنّه إذا طلبته النّفس وحصّلته بالنّظر وعلمته من الوجه الذي كان مجهولا وظفرت به وعلمت أنّه المطلوب الأوّل الذي كانت تطلبه ، فعلمها بأنّه المطلوب إنّما هو من جهة أنّه كان معلوما أوّلا بوجه ، وليس يلزم من ذلك كونه معلوما أوّلا من كلّ وجه حتّى من الوجه الذي كان هو مجهولا بذلك الوجه ، كما هو ظنّ أصحاب الذّكر ومبنى احتجاجهم المنقول عنهم عليه ، فتدبّر .
وإمّا أن يقال باستناد تلك الأفعال أوّلا وبالذات إلى قوى مختلفة للنّفس الإنسانيّة التي هي ذات واحدة ، وباستنادها إلى تلك الذات الواحدة بتوسّط تلك القوى المختلفة ، وهذا هو المذهب الذي نقله الشيخ عن بعض القدماء ، حيث قال « 1 » :
« ومنهم من جعل النّفس ذاتا واحدة ، وتفيض عنها هذه القوى ، ويختصّ « 7 » كلّ قوّة
هامش
( 1 ) - الشفاء - الطبيعيّات 2 / 221 ، الفصل السابع من المقالة الخامسة من الفنّ السادس .
( 2 ) في المصدر : عن ذاته . . .
( 3 ) قيل إنّه قد يغيب . . .
( 4 ) تختصّ . . .
( 5 ) فيها . . .
( 6 ) التذكّر . . .
( 7 ) وتختصّ .