تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
الحيوانات دون جميعها ، ومع ذلك فهو يكون للحيوانات التي يكون ذلك لها بالنسبة إلى بعض الأمور دون آخر ، ومع ذلك لا يكون إلّا متّصلا بالآن ، فليس ذلك لها عن اعتقاد كما للإنسان . ثمّ إنّه يتّصل بهذا الجنس من الخاصّيّة ما للإنسان أن يروّي فيه من الأمور المستقبلة أنّه هل ينبغي له أن يفعلها أو لا ينبغي ؟ فيفعل ما يصحّ أن يوجب رويّته أن لا يفعله وقتا آخر أو في هذا الوقت بدل ما روّى فيه ، ولا يفعل ما يصحّ أن يوجب رويّته أن يفعله وقتا آخر أو في هذا الوقت بدل ما روّى . وسائر الحيوانات إنّما يكون لها من الإعداد للمستقبل ضرب واحد مطبوع فيه ، وافق عاقبتها أو لم يوافق . وهذا الذي ذكرناه إنّما هو بيان جملة من الأفعال والانفعالات والأحوال ، وهي ممّا يوجد للإنسان ، وجلّها ، بل كلّها يختصّ به الإنسان . وبعضها وان كان بدنيّا ، لكنّه موجود لبدن الإنسان بسبب النفس للإنسان ، وليست لسائر الحيوان ، وعسى أن نذكر في طيّ الأبواب الآتية نبذا من الخواصّ أيضا . وبالجملة ، فأكثر الخواصّ الإنسانيّة ، بل كلّها ممّا ذكرنا أو لم نذكرها ، تدلّ على أنّ للإنسان إدراكا للمعاني الكلّيّة ، وهو مختصّ به دون سائر أفراد الحيوان ، وبذلك - وكذا بما يشاهد من أحوال الإنسان في أموره وشؤونه مع قطع النظر عن تلك الخواصّ أيضا - يعلم أنّ أخصّ الخواصّ بالإنسان ، الذي لا يشاركه فيه غيره من أفراد الحيوان ، تصوّر المعاني الكلّيّة العقليّة المجرّدة عن المادّة كلّ التجريد ، والتوصّل إلى معرفة المجهولات تصوّرا أو تصديقا من المعلومات الحقيقيّة .

في بيان القوى النظريّة والعمليّة للنفس الإنسانيّة

وحيث عرفت ذلك ، فنقول في بيان قوى النظر والعمل التي للنفس الإنسانيّة : إنّه لا يخفى أنّ للإنسان تصرّفا في الأمور الكلّيّة وتصرّفا في الأمور الجزئيّة ، وأنّ الأمور الكلّيّة إنّما يكون فيها اعتقاد فقط ، ولو كان أيضا في عمل . فإنّ من اعتقد اعتقادا كلّيّا أنّ البيت