تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وربّما آثرتها على سلامة نفسها . وهذا كما أنّ بعض الإنسان قد يتخيّل لشيء نافع في الواقع ويتنفّر عنه إذا كان بصورة ما يتنفّر عنه ، أو لشيء متنفّر عنه ويميل إليه إذا كان بصورة ما يميل إليه من غير اعتقاد في ذلك . وكذلك ما يشاهد من أنّ الذئب يحذره كلّ شاة وإن لم تره قطّ ولا أصابته منه نكبة وأذيّة ، ويحذر الأسد حيوانات كثيرة ، وجوارح الطير يحذرها سائر الطيور ، فليس ذلك عن اعتقاد ورأي ، وإلّا لوجب أن تحذر هذه الحاذرات ، كالشاة وكثير من الحيوانات والطيور غير الجوارح ، عن غير هذه المحذورات ، أي عن غير الذئب والأسد وجوارح الطير أيضا ممّا ينبغي لها الحذر عنها مثل حذرها عنها ، لكونها ممّا من شأنه إصابة الأذيّة إليها ، وليس كذلك ، بل كلّ ذلك عن إلهام وتسخير ، أو عن تخيّل خاصّ .

خاصّيّة ثالثة للإنسان

ومن جملة خواصّ الإنسان ، أنّه قد يتبع شعوره أنّه فعل شيئا من الأشياء التي لا ينبغي له أن يفعله انفعال نفسانيّ يسمّى الخجل ، بخلاف سائر الحيوان . وكذلك قد يعرض للإنسان انفعال نفسانيّ بسبب ظنّه أنّ أمرا في المستقبل يكون ممّا يضرّه ، وذلك ممّا يسمّى الخوف . والحيوانات الأخرى إنّما يكون لها ذلك بحسب الآن في غالب الأمر ، أو متّصلا بالآن ، بدليل أنّه يزول عنها ذلك الانفعال بعد ذلك الآن ، بخلاف الإنسان . وكذلك للانسان بإزاء الخوف انفعال يسمّى الرجاء ، ولا يكون ذلك أيضا للحيوانات الأخرى إلّا متّصلا بالآن ، لا فيما بعد ذلك من الزمان أيضا كما في الإنسان ، وما يفعله بعض الحيوانات من الاحتياط والاستظهار ، كما يفعله النمل في نقل البرّة بالسرعة إلى حجرتها إنذارا بمطر يكون هناك ، فليس ذلك لأنّها تشعر بالزمان وما يكون فيه ، بل ذلك أيضا بضرب من الإلهام والتسخير ، أو لأجل تخيّل أنّ ذلك هو ذا يكون في هذا الوقت ، كما أنّ الحيوان يهرب عن الضدّ ، لأنّه يتخيّل أنّه هو ذا يضرّ به في الوقت . وبالجملة ، فهذا الرجاء للحيوانات ليس كما للإنسان ، لأنّه إنّما يكون لبعض