ثمّ ومن قاعدتكم في الغيبة جواز أن يفوت الرعيّة لطف الرئاسة بجنايتهم ، وبأن يسبّبوا ما يحتاج الرئيس معه إلى الغيبة والاستتار ، ويكون اللوم في ذلك متوجّها نحوهم ، فهلّا جوّزتم عدم عين الرئيس وتسبيبهم « 1 » ما لا ينتفعون معه بلطف الرئاسة ؟ لأنّهم إذا جنوا وسببوا ما معه لا ينتفعون بالرئيس ، فما الفرق بعد ذلك بين غيبة الرئيس وبين عدمه ، وانتفاعهم بالرئيس فائت في الوجهين جميعا ؟ .
فإن قلتم : عدم الرئيس يخلّ بإزاحة علّتهم من جهة اللّه تعالى ، ويقتضي أن يفوتهم اللطف من جهته عزّ وجلّ لا بجنايتهم ، وليس كذلك غيبته لأنّهم الذين أحرجوا الإمام إليها وسبّبوا ما معه احتاج إلى الاستتار ، ففوات لطفهم يكون بجنايتهم ، واللوم إليهم يعود فيه .
قيل لكم : وعدم الإمام انّما يكون بسبب أنّ اللّه تعالى علم من حالهم أنّهم لم يعزموا على طاعة رئيس ينصب لهم والانقياد له والنزول تحت أمره ونهيه ، بل عزموا على البغي والخروج عليه وإخافته على نفسه ، ولو غيّروا هذه الحالة لأوجد اللّه الإمام ولتصرّف فيهم وانتفعوا ، فعلى هذا هم الذين فوّتوا [ على ] « 2 » أنفسهم لطف الرئاسة ، واللوم إليهم يرجع ، كما أنّ في الغيبة عندكم هم الملومون .
يبيّن ما ذكرنا أنّ غيبة الإمام أيضا من جهة الإمام ومن فعله ، لا من فعل رعيته ، ولكن لمّا كان غيبته بسبب من جهتهم كانت كأنّها من جهتهم ، وكان اللوم راجعا إليهم ، فكذلك عدمه ، وإن لم يكن من جهتهم ، إلّا أنّه لمّا كان بسبب من جهتهم صار كأنّه من جهتهم ، فكان اللوم راجعا إليهم أيضا ، ولا فرق بين السبب في الموضعين والوجهين في هذه القضيّة ، فعلى هذا التقرير جوزوا
هامش
( 1 ) م : تسببهم .
( 2 ) ليس في النسختين .