والنشور والثواب والعقاب وأحوال الآخرة ، وانّما يقوى الداعي « 1 » ويقرّب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية بهذا الطريق ، فالمكلّف لا يخلو من أحد أمرين : إمّا أن يكون عالما بهذه الأمور ، وإمّا أن لا يكون عالما بها فإن لم يكن عالما وجب عليه تحصيل العلم بها ، إذ هو نفس العلم بالثواب والعقاب الذي قلنا وعلمنا أنّه لطف له ، وأوجبنا عليه معارف التوحيد ليتوصل بها إلى هذا العلم ، وليس هو أمرا منفصلا عنه زائدا عليه . وإن كان عالما بها وقد أتقنها وحصل على ثقة « 2 » منها ، فانّه - بأن يحضر هذه المواضع - لا يزداد له شيء معتدّ به لم يكن عنده ، وغاية ما يحصل له بذلك تذكّر هذه الأمور إن كان ذاهلا ، وتذكّر هذه الأمور ممّا يجب عليه دائما ، فانّه كما يجب عليه تحصيل هذه المعارف كذلك يجب عليه الاستمرار عليها ، وليس كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأنّ دعوتهما وصرفهما ليس بطريق تذكير الثواب والعقاب ، بل بطريق آخر ، فظهر المفارقة بينهما وبين هذه المعارضات .
وقد ذكر أبو الحسين أنّه لا يبعد أن يقال : إنّه يلزم المكلّف إنكار المنكر من جهة العقل ، لأنّ فيه دفع مضرّة ، من حيث إنّ الإنسان إذا لم يدفع الضرر عن غيره لم يدفع غيره الضرر عنه ، ومتى دفع عن غيره هذا الضرر دفع عنه غيره إذا هم به ، ودفع الضرر عن النفس واجب « 3 » .
فإن قيل : إنّما يجب دفع الضرر عن النفس إذا كان معلوما أو مظنونا ، ولا يعلم الإنسان ولا يغلب على ظنّه أنّه إذا دفع هذا الضرر الذي هو ارتكاب المنكر والإخلال بالواجب عن الغير دفعه عنه الغير « 4 » .
قلنا : إنّ صاحب الفائق أجاب عن هذا السؤال بأن قال : إنّا لا نوجب
هامش
( 1 ) ج : يقوّي الدواعي .
( 2 ) م : نفسه .
( 3 ) لا يوجد لدينا كتاب الغرر .
( 4 ) جملة « دفعه عنه الغير » : ليس في ( م ) .