تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
قلنا : قد بيّن تعالى في قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ »
« 1 » أنّه انّما يغفر ما يغفره لمن يشاء ولم يعيّنه ، فبذلك يزول الإغراء . وأمّا الوجه الثاقب في الكلام عليهم فهو أن يقال لهم : إنّكم تشترطون في آيات الوعيد نفي التوبة ، ونفي زيادة الثواب ، لأنّهما يؤثران في استحقاق العقاب ، فهلّا شرطتم أيضا نفي العفو ، لأنّه أيضا ممّا يزيل العقاب متى حصل كالتوبة وكثرة الثواب ، فتكون الآيات مشروطة بنفي الأمور الثلاثة . فإن قالوا : العقل يقضي بسقوط العقاب بالتوبة وزيادة الثواب ، وليس في العقل ما يدلّ على حصول العفو ، بل غاية ما يقتضيه العقل جواز العفو لا حصوله . قلنا : كما يقضي « 2 » العقل بسقوط العقاب بالتوبة وزيادة الثواب ، فكذلك يقضي « 3 » بسقوطه عند حصول العفو ، وكما يجوز في العقل أن يعفو مالك العقاب ويجوز أن لا يعفو ، فكذلك يجوز في العقل أن يختار العاصي التوبة ويجوز أن لا يختار . وكذلك القول في عظم الطاعة ، فالواجب أن يقابلوا بين الوقوع والوقوع في العفو والتوبة وكثرة الطاعة وزيادة ثوابها وبين الجواز والجواز في هذه الأمور ، فانّهما أعني الوقوع والوقوع والجواز والجواز سيّان لا ترجيح لأحدهما على الآخر . فإن قلتم : عموم آيات الوعيد يقتضي أنّه تعالى لا يختار العفو . قلنا : فهلّا دلّ عموم هذه الآيات على أن أحدا لا يختار التوبة ولا طاعة يزيد ثوابها على عقاب معاصيه ، لأنّكم انّما تنفون بالظاهر العفو ليسلم وقوع العقاب ، وهذا بعينه قائم في التوبة وزيادة الثواب ، فيجب أن تقولوا : إن ظواهر عمومات الوعيد يمنع من وقوعها أجمع .
هامش
( 1 ) النساء : 48 . ( 2 ) م : يقتضي . ( 3 ) م : يقتضي .