في السحر والكهانة معروف ، ومن الممكن أن ينسبوا ذلك إلى اللّه ويقولوا إنّه تعالى فعله لا للتصديق ، بل لمحنة العباد أو للمجد والدولة على ما يعتقده كثير من الناس . على أنّ مثل هذا ينقلب على أصحاب الفصاحة بأن يقال :
إذا كانت العرب تعلم أنّ القرآن خرق العادة بفصاحته ، فأيّ شبهة بقيت عليهم ، فلم لم ينقادوا له ؟ فأيّ جواب أجابوا به ، فهو جوابنا بعينه .
فإن قيل : إذا كان الصّرف هو المعجز ، فلم لم يجعل القرآن من أرك الكلام أو أقلّه فصاحة ، ليكون أبهر في باب الاعجاز .
قلنا : لعلّ المصلحة اقتضت هذه المرتبة من الفصاحة في القرآن لا أنقص منها ، فانّ المصلحة معتبرة في ذلك وغير لازم في المعجز أن يفعل كلّ ما كان أبهر وأظهر ، وإنّما يفعل ما يقتضيه المصلحة بعد أن يكون وجه الإعجاز قائما فيه .
ثمّ يقلب السؤال على أصحاب الفصاحة ويقال لهم : هلّا جعل اللّه تعالى القرآن أفصح ممّا هو عليه بكثير ، حتّى لا يشتبه الحال فيه على من سمعه ولا يمكنه جحده ؟ فما أجابوا به فهو جوابنا بعينه .
فإن قالوا : أليس وراء فصاحة القرآن فصاحة زائدة عليها ؟
قلنا : هذا باطل ، لأن الغايات التي ينتهي الكلام الفصيح إليها غير متناهية ولا محصورة . وعلى هذا فانّ بعض آيات القرآن أفصح من بعض ، فهلّا جعل اللّه آيات القرآن وسورها منادية في الفصاحة حتّى يكون أعجب وأبهر ؟
ثمّ ولو سلّمنا أنّه ليس وراء فصاحة القرآن فصاحة زائدة فهلا سلب اللّه تعالى العرب في الأصل العلم بالفصاحة ويجعلهم في أدون الرتبة فيها « 1 » ليتبيّن مزيّة القرآن في الفصاحة تبيّنا أظهر ممّا هو ظاهر الآن .
ثمّ نقول : هذا الذي ذكره السائل اقتراح في الأدلة والمعجزات ، وذلك غير
هامش
( 1 ) م : منها .