ثبت كونه خارقا للعادة فلا فرق بين أن يكون من فعله تعالى أو من فعل غيره من ملك أو جني ؛ وقولهم : لو قدح هذا في كون القرآن معجزا ، لقدح في سائر المعجزات وإن كانت من جنس ما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى ، كإحياء الميّت ، وإبراء الأكمه والأبرص ، وقلب العصا حيّة ، بأن يكون تعالى قد أجرى العادة فيما بين الجنّ بإحياء الميّت عند تقريب جسم مخصوص إليه ، وكذا القول في إخوانه من إبراء الأكمه والأبرص وقلب العصا حيّة .
كلّ هذه الوجوه قد ذكرناها من قبل من حيث أشرنا إليه . فالواجب أن نذكر هاهنا ما لم نذكره هناك .
قالوا : إنّ سؤال الجنّ يقدح في سائر المعجزات من وجه آخر غير ما قدّمناه ، وهو أن يجوز فيمن ظهر على يده إحياء ميّت أن لا يكون صادقا بأن يكون الجنّي أحضر من يعدّ حيّا وأبعد ذلك الميّت .
ويمكن الاعتراض على هذا أيضا بأن يقال : الميّت جسم كثيف إذا نقل من غير أن يلف في شيء أو يخفى في موضع ، فانّ من كان صحيح الحاسّة حاضرا هناك يراه منتقلا متحرّكا ، وكذا يرى الجسم الحيّ الذي ينقله الجنّي من بعد . وهذا بخلاف ما يفعله المشعبذون من إبدال ما يشبه الطائر الميّت بطائر حيّ ، لأنّهم يلفّون ذلك في لفاف ويبدّلونه بالحيّ الذي هو عندهم وبالقرب منهم .
وأجيب عن سؤال الجنّ بأن قيل : لو كان الأمر على ذلك لوافقت عليه العرب فانّها بذلك كانت أبصر وإليه أهدى .
وهذا الجواب ليس بصحيح أيضا ، لأنّه لا يجب أن تعرف العرب جميع الشّبه العارضة والخواطر المتجدّدة ، ولهذا تجدّد من مطاعن أهل الضلال والمبطلين كثير في متشابه القرآن ، ولم يقنع العلماء في الجواب عنها بأن يقولوا مثل هذا القول بل بيّنوا الوجوه الصحيحة في ذلك والتأويلات المجوّزة الملائمة
المنقذ من التقليد — صفحة 467
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٤٦٧