وبالجملة التي ذكرناها تبيّن أنّ وجه وجوب معرفة اللّه تعالى ومعرفة الثواب والعقاب علينا إنّما هو كونها جارية مجرى دفع الضرر عن أنفسنا ، وأنّ ما يقوله المشايخ - من أنّ وجه وجوب المعرفة كونها لطفا في أداء الطاعات واجتناب المقبّحات - تسامح منهم وتساهل . وذلك لأنّ كون المعرفة لطفا إنّما هو وجه وجوب أن يكلّفنا اللّه تعالى المعرفة ، وليس ذلك وجها في وجوب فعل المعرفة علينا ، إذ اللطف من حيث هو لطف إنّما يجب على المكلّف إذا كان من فعله . وإذا كان من فعل المكلّف فإنّه يجب على المكلّف الحكيم أن يكلّفه ذلك .
يبيّن ما ذكرناه أنّ اللطف إذا كان من فعلنا فانّما يجب علينا إذا كان لطفا في أداء واجب أو امتناع من فعل قبيح لما جرى ذلك مجرى دفع ضرر العقاب الذي يستحقّ على الإخلال بالواجب وارتكاب القبيح ، ولا يجب علينا ما كان لطفا لنا في فعل مندوب إليه . لم يحصل فيه هذا الوجه ، ومعلوم أنّ ما يجب لكونه لطفا يجب على المكلّف فعله ، سواء كان لطفا في واجب ومندوب إليه .
فإن قيل : لم قلتم إنّ المعارف ليست ضروريّة على ما يقوله الجاحظ وأصحاب المعارف .
قلنا : قد جرى في كلامنا ما هو جواب عن ذلك ، وهو أنّها لو كانت ضروريّة لما أمكننا دفعها عن أنفسنا بشبهة ، ولما أمكننا النظر في طريقها والاستدلال عليها .
ثمّ نقول لمن يدّعي انّ المعرفة ضروريّة : أتقول : إنّها حاصلة فينا على حدّ علمنا بأنّ الكلّ أعظم من الجزء ؟ وأنّ النفي والإثبات المتقابلين يستحيل اجتماعهما ، وعلى حدّ علمنا بالمدركات الجليّة ؟ أو تقول : بأنّها لا تحصل إلّا عند النظر ، ولكنّها مع ذلك ضروريّة ؟ إن قال بالأول ظهر مكابرته وعناده ،
المنقذ من التقليد — صفحة 266
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٦٦